شهدت منطقة الخليج حالة من الاستنفار العسكري والأمني مع تزايد التوترات بين أميركا وحلفاؤها من جهة وإيران من جهة أخرى، ففي الوقت الذي نشرت فيه الولايات المتحدة حاملة طائرات وقاذفات بي-52 في الخليج، خرج رؤوس النظام الإيراني كعادتهم يطلقون تصريحات شديدة اللهجة تعبر عن سلوكياتهم العدوانية التي لم يتخلوا عنها حتى اليوم، دون اكتراث لتوازنات القوى العسكرية والفوارق الهائلة التي تضع نظام الملالي في حالة يأس ووهن شديدين ما يجبره في نهاية المطاف على الانحناء والخضوع.

العملية العسكرية الأميركية واردة.. وطهران لا تستطيع غلق «هرمز» لحظة واحدة

ومن جانبه، قال اللواء جمال مظلوم، الخبير العسكري والاستراتيجي المصري: إن توازنات القوى العسكرية بين الولايات المتحدة وحلفائها من جانب وإيران من الجانب الآخر، تعبر عن تفوق ساحق حتى لدول الخليج فقط، وكمعدات حديثة لدى الدول العربية طائرات F16 وF18 وTornado وMirage إنما إيران فلديها معدات قديمة أحدثها من التسعينيات، وبالتالي توازن القوى لصالح الولايات المتحدة وحلفائها بمراحل بينها وبين إيران التي تحدث صيتا كبيرا ودعاية وفي الحقيقة كل إمكانياتها في الصواريخ التي لا تتعدى 2000 كم وأتصور أن مدى الدقة فيها محل نظر.

وأضاف مظلوم أن تكلفة الحروب كبيرة جداً في الوقت الحاضر، ولا نستبعد أن تنحني إيران وتخضع وتتنازل وتتوقف عن تهديداتها وتدخلاتها في المنطقة لأنها تشعر بالخطر في الوقت الحالي، لافتا إلى أنه يتوقع أن تقوم الولايات المتحدة ودول التحالف بقصفة صاروخية أو قصفة جوية بدون خسارة.

وأشار مظلوم إلى أن تصفير النفط الإيراني يعتبر خنقا للنظام المغلوب على أمره، ومع ذلك لا تستطيع طهران غلق مضيق هرمز لحظة واحدة، لأن المجتمع الدولي كله سيكون ضدها، فيخرج من هرمز أكثر من 20 مليون برميل نفط يومياً ويستهلك المجتمع الدولي في حدود 80 مليون برميل يومياً، وبالتالي نسبة كبيرة من استهلاك العالم تخرج من هذا المضيق، وهناك إجراءات من جانب الولايات المتحدة بفتحه بالقوة وهذا معناه خسائر كبرى لإيران لا يمكن الاستهانة بها.

ويرى اللواء حمدي بخيت، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب المصري، أن ما يحدث في منطقة الخليج ليس إلا مظاهرة عسكرية كبرى ترسل رسالة ردع وتعطي غطاء للحشد الأميركي في المنطقة في اتجاه بحر العرب وجنوب شرق آسيا، مشيراً إلى أن أميركا تستطيع ضرب إيران لأننا إذا نظرنا للخريطة الاستراتيجية سنجد إيران محاطة بقواعد أميركية من جميع الاتجاهات في باكستان وقرقيسيا وعُمان والإمارات وقطر والبحرين والكويت والعراق وغيرها، وقد يكون ذلك قوة للولايات المتحدة ولكنه في نفس الوقت أهداف لإيران؛ وأكد بخيت في تصريحات لـ"الرياض" أن المرحلة المقبلة ستشهد تصاعداً في التصريحات والكلمات والحشد فقط، مستبعداً أن تلجأ إيران للحرب كما أعلنت على مدار الأيام الماضية.

ولفت اللواء محمد سلمان الخبير الاستراتيجي في مكافحة الفكر المتطرف بأكاديمية ناصر العسكرية العليا بالقاهرة، إلى أهمية الإشارة إلى تاريخ الصراع الأميركي الإيراني والذي بدأ مع بدايات الثورة الخمينية في نهاية السبعينيات، هذا الصراع لم يتعد حدود الخطابات.

وأشار أسامة الهتيمي الباحث المتخصص بشؤون الحركات الإسلامية، إلى أن الحديث عن رد الفعل الإيراني إزاء تصاعد الضغوط المتزايدة عليها من قبل الولايات المتحدة الأميركية يستلزم أن نستحضر القول أن السياسات الإيرانية بالمنطقة لا تعبر عن مصالح سياسية أو اقتصادية فحسب لإيران وإنما تعبر عن بعد آخر ربما يكون أشد أهمية وهو البعد الأيدلوجي فالسلوك الإيراني بالمنطقة بل وفي العالم كله انعكاسا للأفكار والأطروحات التي أعلنها الخميني وتبنتها الثورة الإيرانية عام 1979م، ومن ثم فإن الاعتقاد الإيراني بوجوب تحقيق هذه الأطروحات تمهيداً لروايات طائفية الأمر الذي يقلل من احتمالية أن تكون الاستجابة الإيرانية لهذه الضغوط سريعة أو سهلة يسيرة كون أن تقديم التنازلات في حد ذاته هو أحد أهم معاول هدم النظام نفسه أمام جماهيره وأمام أذرعه في المنطقة. ويرتبط ذلك أيضا بالحديث عن احتمال شن حرب بين الدولتين وهو وفق تصوري واستقراء لطبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران طيلة أربعة عقود ماضية احتمال بعيد يدعم ذلك التصريحات العديدة الصادرة عن قادة سياسيين وعسكريين للدولتين والتي صبت في استبعاد خيار الحرب وعدم الرغبة فيها.

وأوضح الهتيمي أن ذلك لا يتعارض مع ما تشهده المنطقة في الوقت الحالي من تطورات تدفع البعض إلى ترجيح اندلاع حرب بين الدولتين يأتي في مقدمتها إرسال حاملة طائرات هجومية للمنطقة ونشر قاذفات أميركية في مقابل استعدادات إيرانية قصوى في صفوف الجيش الإيراني والحرس الثوري فكل ذلك لا يخرج عن دائرة ما بات يعرف بسياسة حافة الهاوية ولعبة عض الأصابع التي يحاول ومن خلالها كل طرف أن يبدو في أقوى حالاته واستعداده للسير لآخر الطريق وهو أمر إجباري لكلا الدولتين لحفظ ماء وجه القيادة وانتزاع أكبر قدر من المكاسب.

وأكد الهتيمي كذلك أنه لا يمكن أن نتجاهل الدور الدولي في مسار الصراع الأميركي الإيراني والذي سيعمل على أن يبذل ما بوسعه من أجل تفادي وقوع مثل هذه الحرب التي لن تنحصر تداعياتها الكارثية على دول المنطقة فحسب بل وستشمل أيضا العالم كله كون أن المنطقة تعد المصدر الأول للطاقة في العالم، وبالتالي فسيكون هذا الدور الدولي ربما هو مفتاح الحل والعمود الفقري لأرجح السيناريوهات المتوقعة لهذا الصراع إذ من المرجح أن يكون لطرف ثالث يرتضيه كل من الأمريكيين والإيرانيين دور في استضافة حوار مشترك بينهما للتخفيف من حدة التصعيد والتوصل إلى صيغة تفاهمية وهو الأمر الذي ينشده الأميركيون وجاء مرارا على لسان ترمب ولا تستبعده بعض الأطراف الإيرانية وإن عارضته أطراف أخرى واعتبرته خروجا عن الإجماع الإيراني.

وعن احتمالية اندلاع حرب، لا يستبعد الهتيمي على الإطلاق أن تقوم أميركا وفي إطار ردعها للجموح الإيراني بتنفيذ عملية عسكرية محدودة كما حدث في العامين 1987 و1988 حيث عمليتي الرامي الرشيق وفرس النبي اللتين بهما وجهت أميركا ضربة كبيرة للأسطول البحري الإيراني كانت بمثابة ضربة تأديبية أجبرت إيران على التوقف عن انتهاكاتها بحق الناقلات والسفن العابرة للخليج العربي.