النظام الإيراني بصلفه وعماه ومراهقته السياسية يضرب بكل القيم والنزعات الخيّرة التي تجمع العالم المتحضّر؛ يضرب بها عرض الحائط، ولم يُصِخ مسامعه أبداً لكل نداءات السلام والتعايش والحوار والمحبة والتّواد؛ بل حصر أيديولوجيته في إطار عنفي ضيّق غير قابل لأي تعايش أو سلام..

لم يكن رأياً عابراً ذلك الذي سبق وأن أطلقه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وهو يشدد على عدم وجود نقاط للتفاهم مع النظام الإيراني القائم على «أيديولوجية متطرفة، منصوص عليها في دستوره ووصية الخميني، بأنه يجب السيطرة على مسلمي العالم الإسلامي؛ وأننا نحن الهدف الرئيس للنظام الإيراني، وهو الوصول إلى قبلة المسلمين، وأكد سموه أننا لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل نعمل على أن تكون المعركة لديهم في إيران». أيضاً لا ننسى النزعات التوسّعية التدميرية لإيران وهي تسعى لإنشاء قنبلة نووية تشكّل خطراً على الجميع.

لقد كان رأي سمو ولي العهد عميقاً ومنطلقاً من رؤية متبصّرة وقراءة سياسية حصيفة للأمور واستشفاف لخطورة مآلاتها؛ لا سيما وأنّ النظام الإيراني فاقد لأيّ مصداقية ولم ينجح في تلميع سمعته الدولية الملطّخة بالعنف والإرهاب ونشر الفوضى ودعم أي نشاط إرهابي في العالم؛ فضلاً عن العنف والإرهاب الداخلي الذي يمارسه النظام في الداخل من تقتيل وتصفية وقمع ومصادرة للفكر المختلف، وقد شهدت حملاته على المثقفين حالة مروّعة تمثّلت في إلقاء الرُّعب في قلوب المفكرين والمثقفين على حد سواء ما ألقى بظلاله على حرية التعبير وبات لا أحد يجرؤ على رفع صوته. كما كانت المحاكمات والإعدامات لهم تجري بطرق سرّية وبعيدة عن الإعلام خشية تسرّبها للمنظمات الحقوقية وغيرها.

أما على المستوى الخارجي فلا تزال إيران ممعنة في نزواتها ويبدو للمراقب أن التعويل على الحوار السياسي معها ليس إفراطاً في التفاؤل فقط؛ وإنما ضرب من المستحيل، ولذا فإنّ هذا الاستنفار للأسلوب الردعي من الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها يبدو هو الحل الوحيد للحفاظ على إنسانية العالم وحضارته وقيمه ومبادئه؛ بعد أنّ تعرّت المُثُل الزائفة للنظام الإيراني التي يدعمها رجال دين متشددون يقودون بلادهم نحو الهاوية.

فالنظام الإيراني بصلفه وعماه ومراهقته السياسية يضرب بكل القيم والنزعات الخيّرة التي تجمع العالم المتحضّر؛ يضرب بها عرض الحائط، ولم يُصِخ مسامعه أبداً لكل نداءات السلام والتعايش والحوار والمحبة والتّواد؛ بل حصر أيديولوجيته في إطار عنفي ضيّق غير قابل لأي تعايش أو سلام، في حين أن العالم الذي يشهد مدّاً عُنفيّاً في شتى مناحيه، بفعل التطرّف الذي تعولم بشكل مرعب ومهدّد للأمن والسِّلم الدوليين؛ يبذل جهوداً استثنائية مضاعفة لإشاعة الخير ونبذ الكراهية وثقافة العنف.

إن العقلاء وذوي الوعي العميق والمدركين لعواقب الأمور من الفلاسفة والمفكرين كانوا دُعاة خير وسلام، وطالما حذّروا من التسلّح والعنف؛ فهذا ألبرت أنشتاين يشير إلى أن العباقرة المتميزين في الحضارات القديمة كانوا ينادون بالسلام بين الأمم، بل فهموا دوره، أما اليوم فإن موقفهم الأخلاقي قد دفع التقدّم التقني بقوّة، واكتشفت الإنسانية المتحضّرة المعنى الجديد لكلمة السلام: إنه البقاء؛ ويتساءل أنشتاين قائلاً: هل بالإمكان تصوّر أن الإنسان بروحه وضميره، يمكنه إلغاء مسؤوليته الحقيقية في مواجهة مشكلة السلام؟ ويستمر في حديثه إلى أن يصل لقناعة ورأي أكد فيه أنه من مناصري السّلم بشغف كبير ويلفت إلى أن التشارك العام في التسلُّح هو هرولة في اتجاه الحرب، وهذه الحرب هي ما يُسمّى اليوم بـ»تدمير الإنسانية»، فالاحتجاج اليوم ضد التسلح، لا يعني ولا يغيّر أي شيء، ووحده الإلغاء النهائي لخطر الحرب العالمي، يعطي معنى وفرصة لبقاء العالم؛ ويختم بأمنية بأن تفتح الشعوب أعينها، وأن تفهم ثمن العزوف الوطني لتفادي الاقتتال، فسلطة الضمير والروح العالمية، ما زالت وجلة جداً؛ وهي تنكشف في الوقت الحالي على أنها أشد ضعفاً، ما دامت تقبل بميثاق مع أعداء الحضارة.

إن قراءة فاحصة للنظام الإيراني وسلوكه الراديكالي يعكس حالة هوس استعلائي مزمن لا طائل من تقويمه؛ فالحالة الفصامية تتبدّى في كل موقف وحوار تجعله أقرب للعته والهذيان السياسي وهو ما يجعل مجابهته وردعه خطوة مهمة في الحفاظ على أمن وسلامة وحضارة جيرانه.