تهادت "ثمانون" الأمير خالد الفيصل نشيدًا أبهج وشجناً أبكى من خلال سيميائياته الشعرية، وعنفوان عزيمته الذاتيّة مع مراحل العمر ومحطاته، وترادف سنينه -تبارك الله- وهو يزداد تجليّاً نحو عطاءات الأوطان؛ مثبتاً منهج مدرسته "تنمية المكان والإنسان" أن عمر الإنسان لا يقاس سنين عدداً، وإنما بالمنجزات والنجاحات، وبالانتصارات الحقيقية بنور العلم والفكر والإيمان في محاربة الأفكار الهدامة والغفوات الضالة، وفي ما يقدمه من العطاء والسخاء والولاء للوطن والمليك والعمل المؤسسي بمعادلة لا حدود لها.

وعند سبر أغوار "الفيصل"، نجد شخصية استثنائية مؤثرة، متعددة المواهب بكاريزما قويّة.. قياديّة في الإدارة، لما يمتلكه من فطنة وصرامة ومبادرات نوعية بتخطيط ومتابعة لجودة العمل وضمان مخرجاته.. وفي داخله يملك فناناً بإحساس مرهف، و"مؤسسة ثقافية" متكاملة من خلال عطائه الثقافي والأدبي والفني، امتلك فيها "ريشةً" رشيقةً من خلال لوحاته وشعره ونثره، ورحلة محلقِّة مع الإبداع في فضاءات فارس مبدع مضيء، وفلسفة مفكر عميق الأبعاد والمدارات داخل عوالم الحياة، وحيوات العالم!

وما ميز مسيرة "الفيصل" إيمانه المرتفع أولاً بالولاء المهيب والانتماء الشامخ الممتد نحو القيادة والوطن ومستقبله بالجد والمثابرة وتحويلها إلى واقع معاش، تكشفها خطاباته ولقاءاته وقصائده؛ فتميزت بإيجاز الكلم، والتفاؤل الكبير، وشحذ الهمم، والفخر والاعتزاز بالدين وولاة الأمر والوطن، والإيمان بوحدة الفكر والثقافة الفاعلة، تغلفها إنسانيّة حكيمة ومسؤوليّة تكامليّة بقيم الذين يعملون بصمتٍ أكبر من الإنجاز، وبعمق العطاءات وحضورها.

وعند الوقوف إهاباً عند قصيدته "يا ثمانين عمري" نكتشف أن "الشباب" ما زال يسكن "الفيصل" أينما حل، ومشروع تاريخي يحمله بحجم الوطن والانتماء مع فورة الشباب، ومساحات تغشاها الآمال والتطلعات التي لا تنتهي، والتي أنتجت ريادةً في اتجاهات عدة تركز وتعتمد بعلاقة غير آيلة للانقطاع بالشباب، إيماناً منه بأهميتهم وقدرتهم على العطاء والإنتاجية في صناعة الأمم والتاريخ، وإيماناً بأنهم الثروات الحقيقية للأوطان.

ولأن سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -يحفظه الله- مدرسة في الوفاء و"تكوين استثنائي" من الحب والتقدير والنبل.. وقيم مثقلة بروح الشيمة والمسؤولية، كانت لفتته القيادية الكريمة في تكريم مقامه الكريم حباً وتقديراً لمستشاره أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل ومسيرته الأوج بوشاح الملك عبدالعزيز نظير ما قدمه للوطن من خدمات جليلة، والتي أتت بعد كلمته الخالدة -أعزه الله- في حفل جائزة الملك فيصل العالمية: "أنا أقف هنا لأشكر الأمير خالد الفيصل ابن البطل فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- على أن جمعني بكم وليس هذا غريب على ابن فيصل".

المدرسة المصقولة، خبرةً وثراءً إدارياً وفكرياً، تجعلنا نقف عند قامة تمتلك رؤى قيادية سامقة ووميضاً وطنياً خالصاً، وعندما لا تكتب تزلفاً تُجزم أيضاً بأن حجم "خالد الفيصل" ليس بحاجة لحججٍ، بقدر ما أننا بحاجة إلى "شاهد عصر" و"ثمانون عاماً" من تجربة تنمية تستحق، وولاء يُدرّس، وإنجاز يُحكى، ودرس لمجايليه والأجيال.