تمتلئ كتب التاريخ بقصص الطموحين المكافحين الذين شقوا طريق العظمة وسط الصعاب شبه المستحيلة، ومن هؤلاء الطموحين الذين لم تسمع بهم من قبل المهندس والعالم السويدي سالومون أندريه، الذي عزم عام 1897م أن يسافر من السويد إلى القطب الشمالي عن طريق البالون الساخن، وشاركه الرغبة اثنان من رفاقه، وتحمست السويد لهذه الرحلة التي سترفع من شأنها، ولا سيما أنها تخلفت عن غيرها في السباق نحو القطب الشمالي.

ركب الثلاثة البالون وودعوا الحشود التي شيعتهم بحرارة، وارتفع البالون فوق بحر الابتسامات والأعين المبتهجة، ومضت به الريح. آنذاك لم يكن لدى أندريه وهو في البالون إلا طريقتان للتواصل مع العالم: العوامات والحمام الزاجل، فأما العوامة فهي علبة يكتب فيها رسالة ثم يقذفها من البالون في البحر لتحملها الأمواج إلى البر، ووصلت رسالة من أندريه يخبر فيها بأحوال الطقس وأن الأمور بخير، وأرسل رسالة بالحمام الزاجل فيها كلام شبيه، ثم...توقفت الرسائل. قلق السويديون، وتحولت الرحلة إلى سر غامض.

مضت عقود ولا أحد يعلم مصيرهم، حتى أتى 1930م وكان مستكشفون نرويجيون في جزيرة ثلجية مقفرة شجعهم عليها جو أدفأ من المعتاد، وهناك تفاجأوا بثلاث جثث، فبحثوا ووجدوا بقية آثار المستكشفين المختفين من أطعمة وأسلحة وأدوات، وأهم شيء: كاميرا ودفاتر يوميات. بعد مشاهدة الصور وقراءة اليوميات عرفنا الآن ما حصل: حصلت مشكلات للبالون تجاهلها أندريه، فالبالون جديد لم يجرب من قبل، وفيه تسريب، والعوامل الجوية سيئة، لكن الحماس أعمى الثلاثة، فبعد أيام نقص هواء البالون ونزل ببطء في الجزيرة الثلجية القاحلة، وعاشوا ثلاثة أشهر آيسين من أن يخرجوا أو يصل إليهم أحد لشدة وعورة وبرودة المكان، فماتوا. أسباب وفاتهم مجهولة، فمن يقول إن الدببة هاجمتهم، أو داء فطريا بسبب أكلهم لحم دب قطبي لم يُطبخ جيداً، أو تسمّم من العلب التي حفظت الغذاء، لا ندري.

لكن الصور التي التقطوها في آخر أيامهم موجودة على الإنترنت، ومعها خواطرهم وهم منعزلون في ذلك القبر الجليدي، واستقبلتهم السويد بحزنٍ كبير، ولا تزال إحدى أعجب قصص المغامرات.