بعد أن فرغت من أداء صلاة الظهر في المسجد النبوي، بادرني أحد الأخوة من باكستان بجانبي بالسلام، ثم استطرد بالحديث عن الحال والطقس وعموم الحياة في المملكة، وعندما علم بجهة عملي.. فتح باب الرغبة في الإقامة القصيرة في المدينة المنورة التي يزورها ثلاث مرات في العام مع كل أفراد أسرته.

هذا المسلم الذي يملك شركة كبرى للطيران الاقتصادي في باكستان، يملك مثلها وأكثر منها للإقامة في المملكة.. إنه نموذج لمئات الآلاف من المسلمين في أصقاع الأرض ممن يرغب في الاستفادة من فرص الاستثمار اقتصادياً، والإقامة قرب الحرمين دينياً، طوال العام وليس في المواسم فقط.

حكومة المملكة أدركت هذه الرغبة المشروعة للإقامة فيها.. ومنذ الإعلان عن رؤية 2030 قبل نحو ثلاث سنوات، لم تتوان الحكومة في اتخاذ أي قرار يدعم الاقتصاد الوطني، ويرتقي به إلى آفاق أكثر رحابة وأكثر انفتاحاً على العالم، وعندما شددت الرؤية على أهمية جذب الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد، لدعم المنظومة الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل، وعدم الاعتماد على دخل النفط، فهي اليوم، تعزز هذا التوجه، بموافقة مجلس الوزراء الموقر، على نظام "الإقامة المميزة". 

لم يفصل بين موافقة "مجلس الشورى"، وموافقة "مجلس الوزراء" على نظام "الإقامة المميزة"، سوى أربعة أيام فقط، في إشارة إلى حرص حكومة خادم الحرمين الشريفين على تسريع الخطى نحو بناء اقتصاد وطني قوي، يرتكز على قواعد صلبة وأسس سليمة وخطوات عملية جادة، أبرزها استقطاب الكفاءات البشرية من جميع الجنسيات في تخصصات بعينها، وتحفيزها على ضخ الاستثمارات في مشروعات "نوعية" داخل المملكة، وإدارة هذه المشروعات في "الضوء"، وليس في "الخفاء" كما كان متبعاً، في عمليات التستر التجاري التي عاناها اقتصاد المملكة، والأهم من ذلك توظيف أبناء الوطن في إدارة هذه المشروعات. ولذلك، ستكون اللائحة التنفيذية لـ"الإقامة المميزة" حريصة على وضع ما يكفي من البنود والاشتراطات، التي تضمن بها تحقيق أعلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، من وراء هذا النظام، الذي سنجني ثماره في وقت قريب جدا.

الموافقة على نظام "الإقامة المميزة"، بهذه السرعة، وهذه الآلية، يؤكد أمراً مهماً، وهو أن المملكة مقبلة على مرحلة اقتصادية جديدة في شكلها العام وأهدافها النهائية، وعناوين هذه المرحلة: "التنمية المستدامة"، و"المشروعات الاستراتيجية العملاقة"، و"الازدهار النوعي"، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على اقتصاد المملكة ومعيشة المواطن، ويتحقق ذلك مع حرص المملكة على منح إقامتها المميزة للوافدين العاملين في قطاعات اقتصادية تتطلبها المرحلة المقبلة، مثل التقنية الحديثة، والطاقة، والتعليم والتدريب والتأهيل، ليعملوا جنباً إلى جنب مع الكفاءات الوطنية بأسلوب حضاري ونظامي، يجعل الكل مستفيداً، ولعل من أهم إيجابيات النظام: إذكاء روح المنافسة الشريفة بين المستثمر الأجنبي ونظيره الوطني، وتبادل الخبرات، وهو ما يسهل إمكانية إقامة مشروعات مشتركة بينهما. 

ولعل ما يجب الالتفات إليه، أن "الإقامة المميزة" ليست نظاماً تمتلك فيه المملكة حق الريادة والسبق، وإنما هو نظام معمول به في غالبية الدول المتقدمة، وعلى رأسها مجموعة العشرين، التي تعتبر المملكة من المؤسسين لها، هذه الدول باتت تمثل "أيقونة دولية" في استقطاب الكفاءات من جميع دول العالم، والاستفادة من أفكارهم وابتكاراتهم واستثماراتهم وخبراتهم، ويتجسد هذا الأمر بشكل أكبر في الولايات المتحدة الأميركية، التي تتباهى اليوم بأن لديها علماء وخبراء ومستثمرين من جميع الجنسيات، يعملون فوق أراضيها، ويحققون كل ما يفيدهم ويفيد أميركا معاً.