في كلامنا وتعاملاتنا تجد العبارة حاضرة، ليتني سكت «قبل أن» أقول.. ليتني تأنيت «قبل أن» أظهر، وهذا هو دأب العمل البشري دائمًا يأتي ناقصًا غير مكتمل، فتأتي عبارات كثيرة من شأنها سد الخلل..

جملة نسمعها كثيرًا، وهي في سياقها تحمل معنى يقطع ما قبلها عما بعدها، فأحيانًا تحذر وتنذر بفضاعة ما بعدها، ومن ذلك ما في التنزيل الحكيم "من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها"، وهذا أسلوب قرآني في سياق وعظي يجعل السامع يتفكر ويتخوف من التحذير.

وكثيرًا ما يأتي على هذا المنوال نصائح الحكماء، ومواعظ العارفين، وقد تحمل تلك النصائح بعض الحدة للفت انتباه السامع إلى خطورة الإعراض عن النصيحة.

وأحياًنا تأتي هذه العبارة ندمًا على خطأٍ كان من الممكن تفاديه، وأشد الندم هو ما أسمعنا إياه الوحي "ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى"، وهي حالة ندم لا تغني عن الواقع شيئًا، وكان من الممكن تفاديها "قبل أن"!

وإنما استهللت كلامي بهذا تنبيهًا على أعظم ما جاء عقب "قبل أن"، ولو أني في الحقيقة أريد شيئًا آخر تمامًا قد يصادفنا في حياتنا كل يوم، وهو الإعراض عن التدقيق والتفتيش فيما نقول ونفعل، وفيما نقدم من أعمال ثقافية أو درامية، أو أي برامج مما يتعلق بحياتنا ومجتمعاتنا، بل حتى في فقهياتنا التي كثيرًا ما نقرع لها سن الندم بعبارة "قبل أن" حسرة وندمًا، فتجد من تؤنبه نفسه: ليتك تتبعت الأقوال والخلاف، وعرفت المذاهب والآراء "قبل أن" تتبنى رأي التحريم أو الإباحة!

وفي كلامنا وتعاملاتنا تجد العبارة حاضرة، ليتني سكت "قبل أن" أقول.. ليتني تأنيت "قبل أن" أظهر، وهذا هو دأب العمل البشري دائمًا يأتي ناقصًا غير مكتمل، فتأتي عبارات كثيرة من شأنها سد الخلل ولكن لم تكن "قبل أن" بل أتت متأخرة.

ومما نعانيه في مجتمعنا وهو يحتاج إلى تعمق وتفكر "قبل أن" تتكون لدى أحدنا شخصية تبعية، هو النظر في ثقافات الآخرين، ووضع الحدود والفواصل بين ما يمكن تقبله وما لا يمكن تقبله لكن يجب احترامه؛ لأنه ثقافة شعوب أخرى، فمثلًا تخلي كثير من الناس عن ألفاظهم وكلماتهم التي ألفوها واعتادوها وميزتهم عن غيرهم إلى ألفاظ ومخاطبات لمجتمعات أخرى، وهذا مما يدعونا إلى استخدام "قبل أن" في طرحنا هذا، فإنه متى تمادى الناس في تجاهل الجميل مما يميزهم من كلام ولباس إلى عادات أخرى فيحق لنا أن نقول "تمسكوا بشخصياتكم وما يميزكم عن غيركم من المجتمعات "قبل أن" تندثر ألفاظنا وعاداتنا ويصير مجتمعنا تابعا لا ميزة له!

ومن هذا ما بدأنا نلحظه في كثير من البرامج والدراما حيث بدأت تلك البرامج والدراما تتقمص شخصيات الآخرين وعاداتهم ولهجاتهم، وليس هذا مناقضًا لما ننتقده من العادات والتقاليد التي يتبناها كثير من الناس تحت مسمى "التدين" وليست هي من التدين في شيء، فهذا شيء آخر، فلا نرتضي أن نلبس بعض العادات سواءً في كلام أو لباس نلبسه لباسًا دينيًا نفسق ونعادي عليها الناس، وإنما ملخص كلامي هنا هو في ضرورة المحافظة في ما نقدمه للعالم من دراما وأفلام ومسلسلات وبرامج على الشخصية الخليجية في كلامها وطرحها وأساليبها، فإن كان هناك داع للخروج عن الشخصية فيكون إلى جامع أعم كاللغة العربية، أما أن نقدم أساليب ولهجات الآخرين فهذا في نظري يفقد مجتمعنا ميزته الخليجية تدرجًا.

وليس طرحي هنا من باب "لا أريكم إلا ما أرى" فهذه وجهة نظر يسعدني ويسرني أن تخالفها في إطار يحترم فيه بعضنا رأي بعض، ويتفكر فيه ويناقشه "قبل أن" يخالفه ويعارضه بغض النظر عن قائله وكاتبه. هذا، والله من وراء القصد.