حافظت أسعار النفط على استدامة مسارها الذي يُصنّف بالاستقرار على الرغم من نشاط عددٍ من العوامل المؤثرة فيها خلال الأيام القليلة الماضية، إلا أن تباين آثار هذا العوامل ساهم في حالة الاستقرار التي ما زالت لا تتصف بها أسعار النفط، فالمعطيات بداخل الأسواق تشير إلى وجود وفرة في المعروض النفطي تدعمها الطاقة الإنتاجية غير المستغلّة لمنتجي الخام جنباً إلى جنب وحالة التصعيد في أمن الإمدادات النفطية إثر بروز حالات إرهابية تخريبية في ممرات أسواق النفط.

فيما امتنعت الإرهاصات بداخل أوساط الصناعة النفطية عن ترشيح مستويات سعرية عالية للنفط، ما يعكس ضرورة وجود مخاوف حقيقية من حدوث حالة انقطاع كبير في المعروض العالمي من النفط وسحوبات من المخزون وتراجع القدرات الإنتاجية بشكل كبير، بخلاف واقع الأسواق العالمية في الوقت الراهن التي تتمتّع بفوائض نفطية وقدرات إنتاجية كبيرة غير مستغلّة. في الشأن ذاته قال لـ"الرياض" محلل أسواق النفط الدكتور محمد الشطي: يؤثر في مسار أسعار النفط الخام حالياً عدّة عوامل من شأنها رسم حدود التحرك لأسعار النفط، وهذه العوامل تشمل تطورات جيوسياسية تتسبب في قلق الأسواق حول إمدادات النفط الخام؛ لأن هنالك حالة من التصعيد وعدم الاستقرار تمثل تحدياً لمناطق الإنتاج التي تعتمد عليها أسواق العالم خصوصا الآسيوية حيث تقوم باستيراد حاجتها من النفط الخام والمنتجات الأخرى والغاز من الخليج العربي عبر مضيق هرمز، وجاءت التطورات غير المسبوقة لتزيد من مخاوف الأسواق، إلا أن التطمينات السعودية لزيادة صادراتها من النفط إلى القارة الأوروبية لتؤكد لأسواق العالم أن إمدادات النفط واستمراريتها دون انقطاع حل ميسور ومتوفر وللمملكة القدرة الأكيدة على الوفاء بذلك. وأوضح الدكتور الشطي أن العالم يتابع بالإضافة إلى التصعيدات الجيوسياسية الأوضاع في فنزويلا وليبيا؛ لمراقبة مستويات المعروض في أسواق النفط، فعلى الرغم من التطورات الجيوسياسية التي قد تؤثر على المعروض النفطي إلا أن أسعار نفط خام الإشارة برنت ظل ولا زال يدور في مدى الـ 70 - 75 دولاراً للبرميل؛ وذلك لوجود الكفاية من المعروض والطاقة الإنتاجية غير المستغلة وتطمينات منتجي الخام بالعالم، كما تتابع أوساط الصناعة النفطية بالعالم مستويات المخزون النفطي؛ لأنه المقياس الفعلي الذي يوضح توازن الأسواق من عدمه، وقد أظهرت البيانات مؤخراً وجود ارتفاعٍ في مستوى المخزون النفطي بالولايات المتحدة الأميركية وهو ما أسهم في إحداث عوامل ضغط على أسعار النفط الخام على الرغم من تعرض حركة تجارة النفط الخام في الخليج للتخريب والتهديد المباشر. وتابع بقوله التصعيد الأمريكي الصيني فيما يتعلق بالتجارة وفرض تعريفات على الواردات من الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وما سبقها من قيام الأخيرة بفرض ضريبة على الواردات من الصين بلا شك سيكون له تأثير كبير على أداء الاقتصاد العالمي ومعدل الطلب فيه على النفط، حيث يقدر البعض أنه من الممكن أن يخفض الطلب على النفط بمقدار 300 ألف برميل يوميا على الأقل وذلك سيضغط على أسعار النفط، وبطبيعة الحال فإن استمرار الأوضاع بداخل الأسواق بين هذه العوامل المتنافرة فإن أسعار النفط ستظل تدور حول مستويات الـ 75 دولاراً للبرميل، وفي حال تفّوق العوامل الجيوسياسية وإسهامها في حدوث خفض كبير بالمعروض النفطي في الأسواق من دون تغطية فإن ذلك يعني ارتفاع توقعات أسعار النفط إلى مستوى 85 دولاراً للبرميل، إلا أن هذا السيناريو يعدّ مستبعداً؛ لأن هذه الأسعار سيكون لها استجابة في رفع الإنتاج من قبل المنتجين بقصد تطمين الأسواق، بالإضافة إلى أن أي ترشيح لمستويات سعرية أعلى لابد أن يصاحبها انقطاع كبير في المعروض النفطي وسحوبات من المخزون وتقلص في القدرات الإنتاجية بشكل يسمح للأسعار أن ترتفع إلى مستويات سعرية عالية وهذا السيناريو بطبيعة الحال مستبعد لأنه مضر بالجميع، وبعموم القول فإن الأسواق النفطية في الوقت الراهن تتابع مؤتمرات تحالف المنتجين المقرر عقده في جدة وبعدها في فيينا، كما تراقب الأوضاع في الخليج العربي للتعرف إلى أين تسير الأحداث الحالية.