قال: كنا نسير ليلاً على الشاطئ، كانت أضواء المدينة تصل إلينا واهية ضعيفة، وكان البحر شبه صامت ما عدا وشوشات ضعيفة تجدفها الأمواج ضعيفة كأنه يتحدث مع نفسه بشيء عن واقعه الوظيفي كأنه يتوجس من معاملة رئيسه، الذي لا يرضيه شيء ولا ينفع معه شيء.. هذا الرئيس الغامض الذي تختبئ وراء نظراته أشياء تجعله هو بعيدا عن الارتياح والاطمئنان.. فهو يعمل بجد وصدق وإخلاص.. ولكنه في الوقت نفسه يعمل بكرامة وعزة نفس خلافا لما يمارسه بعض زملائه من كذب ونفاق وأسلوب رديء ومزيف.. هكذا هو.. صادق واضح، وصريح.. لا يمارس المداهنة أو الرياء أو المكر.. مع أنه يعرف حق المعرفة أن الرياء والمكر عنصران أساسيان للقبول والرضا عند بعض العاملين في تلك المؤسسة التي يعمل بها.

قال وهو يحاور نفسه في لحظة من لحظات الوقوف مع الذات والتأمل.. هل أنا على حق أم على باطل..؟ هل سلوكي هذا سلوك أخلاقي مثالي..؟ أم هو سلوك ساذج وغير ذكي.. هل لي أن أصمد أمام هذه الرياح العنيفة القوية المزعجة، أم أنه من الحكمة أن أسير وفق جريانها واندفاعها؟ إن الرياح العاتية سوف تدفعني بكل عنف  وصلف سوف تهزني وتربك خطواتي وتجعلني متعثرا في سيري، سوف تجعلني اصطدم بالآخرين، والذين يسيرون في اتجاه هذه الرياح.. سوف أصبح منبوذا، وشاذا وقليل حكمة وعديم فطنة في نظر الكثيرين، سوف تجعلني أصعد السلم بالمقلوب فلا أصل إلى شيء عدا تصرفاتي، وحركاتي المضحكة أمام هؤلاء.

وقف قليلا وهو ينظر إلى صخرة يضربها الموج ثم ينحسر عنها وسأل نفسه هل ستصمد هذه الصخرة صمودا أبديا في صراعها مع الموج..؟ ظل السؤال حائرا ومتلجلجا في داخله، ولكنه أيضا ظل سائرا في طريقه يصغي إلى الموج، وهو يلطم تلك الصخور بعنف وهي لا تزال واقفة وثابتة في تحدٍ وكبرياء.