تعم أسواق الطاقة العالمية حالياً والتي يقودها النفط وتجارته غير المستقرة غيمة غموض في ظل تأجج العقوبات الأميركية على صادرات النفط الإيراني ومشتقاته حيث أربك قرار عدم تجديد الإعفاءات، التي سمحت لأكبر الدول استهلاكاً لنفط طهران، محفظة النظام الإيراني الذي بدأ متخبطاً في مغامرات تهريب شحنات بائسة وعقد صفقات سوداء بأبخس الأثمان في انهيار اقتصادي فاضح في حبس المورد الرئيس للدخل الإيراني وإحكام القبضة على تداولاته.

في وقت لفتت رؤية على الأحداث أطلقها مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية "كابسارك" بأن بعض البلدان التي منحت إعفاءات مثل إيطاليا وتايوان قد امتثلت بشكل كامل للقرار الجديد، في حين أن الدول التي قد لا تمتثل للعقوبات ومستمرة في شراء النفط من إيران بعد الثاني من مايو ستخضع لعقوبات اقتصادية أميركية كاملة في حال تطبيق الولايات المتحدة عقوبات عدم الامتثال. ونتيجة لإعلان عدم تجديد الإعفاءات ارتفعت أسعار خام برنت القياسي بأكثر من 3 % لتصل إلى 70.71 للبرميل في نفس اليوم ثم بلغت في نهاية المطاف ذروتها عند 74.51 دولار للبرميل وهو أعلى سعر تم تسجيله خلال الستة أشهر الأخيرة. وتشكل صادرات النفط الخام ثلث إيرادات الحكومة الإيرانية وحوالي نصف إجمالي صادراتها.

وأظهر مسح أجرته "قلوبل بلاتس" بأن إنتاج المملكة من النفط الخام لشهر مارس 2019 بلغ 9.87 ملايين برميل في اليوم، وهو أدنى إنتاج للمملكة منذ فبراير 2017 وإذا دعت الحاجة إلى زيادة الانتاج نتيجة لانتهاء الإعفاءات الأميركية، فإن المملكة ربما بالتنسيق مع الإمارات لديها القدرة الإنتاجية الاحتياطية للتدخل في سوق النفط العالمي وتحقيق الاستقرار فيه من خلال زيادة الإنتاج. ومع ذلك، لم يتضح بعد ما إذا كان هذا ضروري.

وأشارت الدراسة إلى ثلاثة مسببات لعدم الوضوح الذي تشهده أسواق النفط العالمية منذ إعلان عدم تجديد الإعفاءات وهي إلى أي مدى سوف تتقيد الدول الثمانية بالعقوبات الأميركية، وكذلك غيرها من الدول والجهات الفاعلة التي تتاجر بالنفط ومشتقاته مع إيران، وإلى أي مدى ستعمل الولايات المتحدة بقوة وبسرعة على تطبيق هذه العقوبات، وإلى متى ستستمر هذه الجهود؟ وفي المقابل، كيف سيكون رد فعل أسواق النفط العالمية؟ وبناء على نمذجة "كابسارك" لعملية صنع القرار السياسي وجدت أن المجتمع الدولي وبعض الدول التي استفادت من الإعفاءات السابقة ستلتزم جزئيا بالعقوبات الأمريكية الجديدة على النفط الخام الإيراني والمكثفات النفطية.

وتشير النمذجة التي أجريت إلى أنه من غير المرجح أن تمتثل الصين والهند وتركيا تحديداً باستراتيجية العقوبات الأميركية، وستحافظ على جزء كبير من تجارة النفط الحالية مع إيران. فيما قد تبقي اليونان وإيطاليا وبعض الدول الأخرى بحذر على مستوى منخفض من تجارة النفط مع إيران مع الاستمرار في معارضة العقوبات الأمريكية والضغط ضدها. ويمكن لتجارة النفط مع إيران أن تستمر وفق العديد من الآليات، إلى أنه لا يزال هناك خطر كبير أن ترضخ الولايات المتحدة الأميركية للضغوط الدولية لتمديد الإعفاءات أو منح إعفاءات جديدة، أو استبدالها بآلية مشابهة.

وبناء على عمليات المحاكاة لنموذج "كابسارك" القياسي للاقتصاد الكلي للطاقة والنموذج الاقتصادي العالمي لأكسفورد، قيمت الدراسة الآثار المترتبة على أسعار النفط نتيجة لإلغاء الإعفاءات في أربعة سيناريوهات حيث يفترض الأول أن العقوبات الأميركية المشددة غير فعالة على الإطلاق، ويفترض الثاني حدوث انخفاض بنسبة 40-45 % من صادرات الخام الإيراني تمشياً مع التوقعات المستمدة من محاكاة مجموعة أدوات "كابسارك" للتحليل السلوكي فيما يتعلق بدرجة الامتثال المتوقع، في حين يفترض السيناريو الثالث أن العقوبات فعالة تمام وستتوقف صادرات الخام الإيرانية، ويفترض الرابع أن المملكة العربية السعودية ستعوض التوقف التام لصادرات الخام الإيراني عن طريق استخدام طاقتها الإنتاجية الاحتياطية للحد من تقلب أسعار النفط وتحقيق الاستقرار في سوق النفط العالمي.

ووجدت الدراسة أنه كلما انخفضت كمية النفط الخام الإيراني المتاح للتصدير نتيجة للعقوبات الفعالة ارتفع سعر النفط، مالم تعوض المملكة ذلك النقص من طاقتها الإنتاجية الاحتياطية. ومع ذلك، ففي أقصى الحالات حيث تكون العقوبات الأميركية المشددة فعالة تمام في إيقاف صادرات الخام الإيراني وقيام المملكة بتعويض ذلك، فإن سعر النفط المتداول لن يتغير. بل إنه وبسبب العلاقة غير الخطية بين إنتاج النفط وأسعاره العالمية، فإن أي استقرار للسوق بفعل الطاقة الإنتاجية للمملكة يمثل منفعة صافية لسوق النفط العالمية.

وحتى في حالة عدم وجود امتثال ملحوظ لعقوبات النفط الأميركية، فمن المتوقع أن تعاني إيران ماليا دون أن تطبق وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات مالية منفصلة ضد إيران وأي كيان يجري تبادلات تجارية معها والذي سيسبب ارتفاع تكاليف المعاملات وأقساط المخاطرة عند التعامل مع النظام المالي الأمريكي، ويضع ذلك ضغطاً إضافياً على ميزان المدفوعات والنظام المصرفي الإيراني غير المستقرين، كما كانت الحال خلال العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية في 2011.