الراصد لمستوى العرب منذ آلاف الأعوام يلاحظ أن مستواهم الأدبي والاقتصادي أفضل من مستواهم في الوقت الحاضر، فالمستوى الأدبي واللغوي للعرب قبل أكثر من 1400 عام، كان أرقى من المستوى في العصر الحاضر، ورغم تعدد المراحل الدراسية التي تستمر لمدة لا تقل عن 16 عاماً منذ المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الجامعية، فإن مستوى الخريجين الأدبي واللغوي والتعبيري لا يقارن بمستوى العرب الأميين قبل آلاف السنين الذين كان مستواهم يماثل مستوى أساتذة الجامعات رغم انعدام تعليمهم وقلة مصادرهم وبساطة حياتهم! يمكن ملاحظة ذلك من القصائد المنقولة والأقوال المأثورة، حيث سلامة اللغة وقوة السبك وروعة الإيجاز ووضوح المعنى.

أتت خولة بنت ثعلبة إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - تشكو إليه عزم زوجها في تطليقها، فقالت: (إن لي منه صبيةً صغاراً إن ضمهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليَّ جاعوا). تلك المرأة الأمية البسيطة بجملة واحدة فقط لخصت بذلك القول الوجيز عدداً من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والفسيولوجية المتعلقة بالفروقات البدنية والعملية والنفسية بين الرجل والمرأة. فكم أديبة أو أستاذة جامعية تستطيع تلخيص جميع تلك العوامل بجملة أو جملتين رغم رقي تعليمها واتساع ثقافتها وتعدد المصادر المعرفية الإعلامية والثقافية التي تنهل منها كماً غزيراً من المعلومات لم يكن متاحاً قبل عقود قليلة؟!.

كم من الشعراء يستطيعون أن ينظموا شعراً؟ وكم من أساتذة اللغة العربية يستطيعون في الوقت الحاضر أن يفهم المعنى من قول الشاعر كعب بن زهير في قصيدة البردة التي ألقاها في المسجد أمام النبي، حيث يقول: تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ** كأنه منهلٌ بالراحِ معلولُ،إلى آخر القصيدة.

وكم من الشعراء من يمتلك الخيال الخصب الذي يذهب إلى حد تشبيه النجوم وكأنها معقودة بحبال مفتولة من الكتان ومعلقة في صخور غار في جبل يذبل، حيث يقول امرؤ القيس في معلقته: فيا لك من ليلٍ كأن نجومه ** بكل مغار الفتل شدت بيذبلِ.

وبقراءة ذلك الإيجاز في الكلمات مع وضوح المعنى وجمال التعبير؛ ندرك الفرق بين هؤلاء البسطاء الذين عاشوا في الصحراء حيث لا مدارس نظامية ولا صحف ولا كتب ولا مكتبات ولا وسائل إعلام، ورغم ذلك فإنهم يتفوقون على أثقف مثقفي عصرنا الحاضر في سلامة اللفظ وسلاسة المعنى ودقة السبك وجمال التصوير وعمق التعبير.