يشهد الاقتصاد العالمي خلال أواخر هذه العشرية تباطؤ نمو ملحوظ نتيجة تراكم العديد من المشكلات الجذرية والعميقة خاصة منها تدهور الأوضاع الاقتصادية وتصاعد الاحتجاجات الشعبية تذمرًا وسخطاً على تدهور أوضاعها الاجتماعية الإجمالية. ولعل في هذا الصدد الذي يمكن التركيز عليه هو انعكاسات مجمل تلك الأحداث السلبية على بلدان الأسواق الصاعدة والتي هي في أغلبها مستوردة للنفط وتعاني بدورها من مديونية متزايدة ومتواصلة. إن تلك الأحداث الجارية حديثاً تبشر بانكماش اقتصادي عالمي تليه مرحلة من الركود أو أزمة حادة تؤدي بالجميع إلى الهاوية نظراً للعجز في الميزانية وتفاقم المديونية وارتفاع أسعار المحروقات وانهيار عملاتها المحلية مقابل سلة العملات الأجنبية مما ستؤدي بالنتيجة إلى كارثة حقيقية على مستوى الميزان التجاري نظراً لتزايد عجزه وشلله التام. فالاقتصاديات الوطنية لأغلب الدول المستوردة للنفط - نذكر منها بالأساس بلدان شمال إفريقيا وبعض الدول العربية الأخرى - ستتأثر أوضاعها الداخلية مباشرة بالمتغيرات العالمية والأحداث الاقتصادية العالمية نظراً لارتفاع الأسعار للمحروقات وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.

إن الدول المستوردة للنفط مازالت تعاني بدورها من عديد العوائق والصعوبات الداخلية منها تأثيرات بما يسمى بالربيع العربي على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. ففي هذا الصدد تعتبر المديونية من أهم العوامل السلبية التي تعيق ازدهار واستقرار الشعوب بحيث تعيق رفاهيتها وترهنها للإملاءات الأجنبية وخاصة منها مؤسسات البريتون وودز مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فالتحرر المالي والاندماج في منظومة العولمة الاقتصادية والمالية ساهما في تعميق الجرح الاقتصادي الذي ينزف بطبعه نتيجة تراكم الأزمات الداخلية على مستوى عجزه في الميزانية أو لعدم تحقيقه الإنتاجية المرضية مع تراكم لهشاشة مؤسساته الوطنية وتقلص لبيئة استثماراته في القطاع الخاص. فمجمل تلك المشكلات المؤسساتية خاصة منها على مستوى الهشاشة المالية والمصرفية وعدم القدرة التنافسية المحلية لتلك البلدان على مجابهة المنافسة العالمية مع عدم نجاعة إصلاحاتها الهيكلية في إطار ما يسمى ببرنامج التأهيل الشامل الذي تحول إلى تدمير شامل لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية بحيث ساهم في ارتهانها لتلك المؤسسات التي أصبحت شعوبها غارقة في مستنقع الديون للأجيال القادمة. فالمشكلة ليست في المؤسسات المالية المقرضة لأن دورها معروف عالمياً وهو الحفاظ على الاستقرار المالي العالمي، بل المشكلة تكمن في السياسات الاقتصادية لتلك البلدان التي ذهبت بمفردها للاقتراض العشوائي لاستخلاص ديون سابقة أو لصرف رواتب الموظفين في القطاع العمومي وللمتقاعدين المتراكمة في ظل عجزها التام عن تحقيق إصلاح ناجح وناجع للقطاع الخاص أو لتحفيز مناخ الاستثمارات والمبادلات التجارية خاصة منها على مستوى الصادرات وتحقيق الإنتاجية الكافية والمطلوبة وتقليص عجزها في الميزانية والحفاظ على عملة محلية قوية ومستقرة.