ليهنأ رجالُ أمنِ الدولة ما يُقرُّ به كُلُّ مُنصفٍ، ويشهدُ به الواقع المشاهد شهادة ناطقة من جهودهم الجبارة، ومساعيهم الحثيثة، سواءٌ الوقائية، أو العلاجية، مع ما يصحب ذلك من تعرُّضهم للمخاطر والمتالف

اعتاد الـمُشَمّرون في هذا الموسم المبارك على الاستكثار من أعمال البرّ، والمنافسة في الخير، وما منهم من أحدٍ إلا ويؤمّل أن يجني من ثمرات شهر رمضان المبارك غفران السيئات، ورجحان ميزان الحسنات، ولكل منهم وجهةٌ هو مولّيها، وتجارةُ عملٍ رابحةٌ يُنَمِّيها، فمنهم المنفق، ومنهم التالي الموالي بين الختمات، وغيرهم تقبل الله منهم، وإن في الأمة من وَقَفَ وقته وجهده على النفع العام الذي ينتفع به الجميع الفقير والغنيُّ، والداني والقصيُّ، فلا يقتصر خيره على أحد، بل هو يتَعَدَّى إلى الجميع، وإن خدمة الجهات الأمنية والعسكرية وعلى رأسها جهاز رئاسة أمن الدولة من الأعمال الجليلة التي عمّ نفْعُها، وَشَمَلَ يُـمْنُها، ولا يغني عنها شيءٌ، وما من أحدٍ إلا وهو محتاجٌ إليها لكي تسير حياته على وجه السداد، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يستشعروا وهم يؤدون عملهم، ويستشعرُ غيرهم ما يلي:

أولاً: أن من طبيعة عمل رجل أمن الدولة أن ينشغل عن كثيرٍ مما يعمله غيره، لكن له في عمله خَلَفٌ عن النوافل، فإذا أخلص النيّة لله جل وعلا، ونوى القربة في مثابرته على هذا العمل المهم، وسدّه للثغر الذي يشغله، فله الأجر العظيم، والثواب الجزيل، وذلك أن العمل الصالح المتعدّي النفع، والذي تُكشفُ به الكُرَبُ، وتُدرأُ به المفاسد، وتُتحمّلُ به الأعباء يُثابُ به على نحو ما يُثابُ على الاجتهاد في الطاعات البدنية، والأصل في ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَأَحْسِبُهُ قَالَ - يَشُكُّ القَعْنَبِيُّ -: «كَالقَائِمِ لاَ يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لاَ يُفْطِرُ»، متفقٌ عليه.

ثانياً: أن عمل رجال أمن الدولة يتضمّن حفظ الضروريات الخمس، بيضة الدين وجنابه، وأنفس الناس، وعقولهم، وأعراضهم، وأموالهم، ومن سهر للأمة على هذه المهام فقد كفاها مؤونةً عظيمة، وأدّى دوراً محورياً في عمارة الأرض وإصلاحها، ومعلومٌ أن إبعاد أهون الأذى عن الناس، ووقايتهم منه من أسباب مغفرة الذنوب، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»، متفقٌ عليه، وإذا كان إبعاد غصن شوك عن الطريق هكذا مع أن التّأذي به محدودُ الأثر، مقصورٌ على غرزةٍ هيّنةٍ لا يأبَهُ كثيرٌ من المارّة بألـمِها، فما بالكم بالأجر الذي يناله من أبعد عن طرق الناس وأسواقهم ومساجدهم ومساكنهم الشرور المدمّرة التي يزخر بها هذا العالم مما يُدمّر الديانة كالأفكار الهدامة، وما يُدمّرُ الأنفس والممتلكات، وما يُدمّرُ العقول من مخدرات ونحوها، وما يُهدّدُ الأعراض من التحرّش، والمواد الخادشة للحياء، لا شك أن من نهض بعبءِ إبعاد هذه الشرور عن الناس فقد أتى باباً عظيماً من أبواب كسب الحسنات.

ثالثاً: ليعتزَّ رجالُ أمنِ الدولة بما حباهم الله من الفضل حيث هيّأ بجهودهم يُسْرَ العبادات البدنية والمالية، وكفَّ بها مُنغّصات التَّعبُّد، فكم من متهجِّدٍ يُطيلُ قيامه وركوعه وسجوده مطمئناً في سكينةٍ ورخاءِ بالٍ لولا الله ثم جهود رجال أمن الدولة لم يتمكّن من تهجده، وكم من مُنفقٍ يُغدقُ المعروف على المحتاجين ولولا الله ثم جهود رجال أمن الدولة لتلاعبت الأيدي بماله، فكُلُّ هذه الأمور لا تتمُّ مع اختلال الأمن والاستقرار.

رابعاً: ليهنأ رجالُ أمنِ الدولة ما يُقرُّ به كُلُّ مُنصفٍ، ويشهدُ به الواقع المشاهد شهادة ناطقة من جهودهم الجبارة، ومساعيهم الحثيثة، سواء الوقائية، أو العلاجية، مع ما يصحب ذلك من تعرُّضهم للمخاطر والمتالف، ولا شكّ أن المتربصين بنا وبأمننا لن يُضيِّعوا فرصةً إذا سَنَحَتْ لهم في النيل من أمننا، وأقربُ مثال لذلك استهدافهم لمحطات الضخِّ البترولية، ولا تخفى النتائجُ المدمّرةُ لمثل هذا العمل الإجرامي، وانعكاساته السلبية على اقتصاد البلاد، بل والاقتصاد العالمي المرهون بإمدادات الطاقة التي لا غنى له عنها، وكون هذا العبث من باب التخريب الوقح الذي لا يقدم عليه السوي، ويُظهرُ جليّاً أن من أَقْدَمَ عليه لا يُراعي شرعاً ولا عُرفاً، فالحمد لله الذي جعل أمننا منوطاً برجالٍ أكفاءٍ أمناء غيورين على دينهم ووطنهم، ولا يَسَعُنا إلا أن نُهدي إليهم تحيّةَ إعزازٍ وإكبارٍ، وأن نُفصِحَ عن شكرنا وتقديرنا لهم، وأن نواظب على أن ندعو لهم بالنصر والتمكين والتأييد.