في الحياة، نتعرف على فنانين يمتعونا بأعمالهم. نرتبط بهم، بالطريقة التي يؤدون بها أدوارهم، نظل نتذكرهم، حتى لو لم نشاهدهم باستمرار أو غاب وجودهم فترة.

أحد هؤلاء الفنانين المهمين بالنسبة لي محسنة توفيق، الفنانة التي رحلت عن الدنيا الأسبوع الماضي، لكنها لن ترحل عن تاريخ الفن العظيم.

أكتب عن محسنة توفيق ليس تأبيناً أو تكريماً بعد فوات الأوان، أكتب لأنني أشعر أن الإنسانية مدينة لهؤلاء الناس، أننا بحاجة لأن نقول شكراً، حتى لو لم يسمعنا هذا الشخص، نحن بحاجة لقول شكراً، لأننا بحاجة لأن نتذكر أن هذا الشخص قد ساهم في رقينا، في تعليمنا، في تغذية مشاعرنا بطريقة بناءة وجميلة.

عرفت محسنة توفيق من خلال أفلامها مع يوسف شاهين، أو أنني عرفتها فعلاً في هذه الأفلام، التي كانت بالنسبة لي أهم من مشاهدتها في ليالي الحلمية.

فيلم العصفور بالذات، يقربك جداً من روح هذه الفنانة، التي حين تسمعها تتحدث عن نفسها، تعرف إلى أي حد هي معجونة بالناس. الناس، محاولة معرفتهم، التقرب منهم، فهمهم، هذه هي خلاصة الرسالة التي عاشت من أجلها محسنة توفيق.

تؤمن محسنة أن القلب أهم من العقل، أن الأفكار ليست هي المحرك بالنسبة للناس، الأفكار كثيرة وموجودة، لكن الذي يحرك الناس هو الإحساس.

الطريقة التي تتحدث بها محسنة توفيق في لقاءاتها تبهرك، تجعلك تشعر أنك أمام شخصية ممتلئة بالحب، الخير، الحماس، الحماس لكل ما هو عدل ويقربها إلى الناس.

تحب الأحياء الشعبية أكثر من أحياء البرجوازيين، أو الطبقة المتوسطة، في الأحياء الشعبية لا تشعر بالغربة، لا ينظر إليك الناس باستهجان أو ينكرون وجودك بينهم، بينما يفعل البرجوازيون ذلك بسهولة، أو ربما هذا أول ما يفعلون إذا وجدوك بينهم.

هذه القدرة على الإحساس بالناس، هذه الطريقة المثقفة الواعية التي تتحدث بها محسنة توفيق، هذا الكم من الإيمان بالفن وقدرته على إيصال المعنى، معنى الحياة، معنى الفن، معنى الإنسانية هي ما شدني إلى هذه الفنانة.

يمكنك أن تختلف مع أفكارها، لكن لا يمكنك سوى الإعجاب بهذه القدرة على الإيمان بالناس والحياة،

وداعاً محسنة توفيق..