تُسلط بعض وسائل الإعلام العالمية في الفترة الأخيرة الضوء على موضوع كان حتى وقت قريب مضى بمثابة الحلم أن يتحقق!

أن تهزم الوطنية ذلك المد الأممي الذي كان من أكثر مخلَّفات الفكر المتشدد وفي وقت وجيز جداً مقابل ما كان يعمل عليه رموزه طيلة أكثر من 30 عاماً لصالح مشروعهم الأممي من خلال محاربة الوطنية.

نشرت صحيفة الفايننشال تايمز مؤخراً تقريراً بعنوان: "صعود النزعة الوطنية السعودية في رحلة البحث عن الهوية"، لاثنين من مراسليها ووضعت له الصحيفة عنواناً ثانوياً يقول إن صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ألهم مداً وطنياً قاد إلى هجمات على آخرين في وسائل التواصل الاجتماعي.

تحدثت في مقال سابق حول فكرة هذا الموضوع فعلاً والذي عنونته بالأمة السعودية وما استوقفني عنده تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر): "‏كنا يوماً أفغاناً أكثر من الأفغانيين ‏وفلسطينيين أكثر من الفلسطينيين تحت ذريعة مصطلح الأمة ‏آن الأوان أن نكون (الأمة السعودية)! أولئك الذين كانوا يعملون جاهدين لتهميش فكرة "الوطنية" أو محاولات إضعافها أمام حلمهم ومخططهم الأممي البائس لأنهم يعلمون أنّ تدني شعور الانتماء وتدني روح الرابطة المعنوية مع الوطن سيُسهّل على البعض الانسياق وراء تلك التنظيمات والتيارات التي تمتلك القدرة على تعبئتهم فكرياً ونفسياً لمصلحة مشروعاتها السياسية وتستهدف أمن الوطن واستقراره ورخاء شعبه وتعادي الوطن وقيادته.

اكتسب مفهوما الوطنية والمواطنة أبعاداً جديدة وتحرّكاً إلى مكانة مركزية في التفكير النظري والتجريبي بحثاً عن مؤشرات جديدة ودالة على مفهوم المواطنة في الواقع السياسي الراهن. بل ويمكن القول إنه صار "المفهوم المدخل" لدراسة العديد من الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية في النصف الثاني من عقد التسعينيات بعد أن تعرّضت الأسس الأيديولوجية للجماعات الإسلامية المسلحة للاهتزاز بسبب السؤال: هل الأممية ضد الوطنية والعكس أيضاً هل الوطنية ضد الأمة؟ وكيف ساهمت هذه الفكرة في معرفة أيهما أولى معرفة للمواطن؟

في خضم الصراع حول الإجابة على هذا السؤال احتدم الأمر ما جعل كثيراً من المفكرين والمثقفين وحتى السياسيين يتساءلون: هل الإسلامي وطني، وكيف؟ أم هل الوطني يمكن أن يكون إسلامياً؟ وكأن كل مفهوم لا يمكن أن يكون إلا بنفي الآخر!

وفي الحقيقة فإن إجابة هذا السؤال تنبثق من التعرف على أزمة الهوية! والتي بدورها تطرح العديد من الآثار السلبية على المجتمع الذي يعاني منها من حيث إن "المواطنة" هي تعبير عن الهوية والانتماء الجماعي.

فالهوية ذات دوائر متعددة، والانتماء إلى تكوين محدد والولاء له أشكال متنوعة. وبحسب التنظير ونتائج الدراسات المسحية فقد ثَبُت أن إجابات التساؤل عن الهوية "من أنت؟" قد اختلفت من فترة إلى أخرى، وفقاً لطبيعة الظروف والمتغيرات المحيطة بكل مرحلة. في المقابل لم نلحظ أن قضية الهوية قد أثُيرت بصورة جمعية قبل أحداث 11 سبتمبر!