أنت القاضي.. أتوك بشخص قتل أحداً في مكان عام، والشهود بالعشرات، والكاميرات موجودة، والحمض النووي يشهد أيضاً، فماذا ترى؟ ستحكم أنه مذنب بلا شك، فيدافع عن نفسه قائلاً: لقد كنت أمشي نائماً، لم أكن في وعيي، فماذا سترد؟ ستضحك من سخافة الحجة، لكن مهلاً، فلعله محق!

إنها واحدة من حالات كثيرة أطلعنا عليها العلم الحديث، من أشهرها قصة كينيث باركس، الذي أثناء نومه خرج من بيته وقاد السيارة مسافة 20 كلم إلى بيت أهل زوجته فقتل أمها وجرح أباها، واستيقظ ورأى الدم على يديه فدهش، وذهب للمخفر وقال: "أظنني قتلت أحداً، يداي...".

بعد استجوابه من الشرطة والخبراء النفسيين كانت شهادته متّسقة بشكل مدهش لا يقدر عليه الجناة، وشهد له عالم نفسي أنه فعل فعلته كلها نائماً غير واع (ولا دافع لديه أصلاً). ربما تقول: لعل نفسه حادثته بذلك في الواقع لكنه فعل ذلك نائماً؟ لا، لأن النوم يختلف عن اليقظة حتى في التفكير، فلا يمكن أن تخطط لجريمة ثم تفعلها في نومك. فحصوا مخ باركس فوجدوا شيئاً مدهشاً: كان المخ يقفز فجأة من حالة النوم العميق إلى محاولة الاستيقاظ 20 مرة في النومة! هذا لا يحصل لديك ولا مرة، بل المخ يتدرج في مراحل النوم، وكان هذا أقوى دليل على براءته.

هل لدينا حرية الإرادة فعلاً؟ كما ترى بالأعلى فهناك استثناءات عجيبة. حالات غير هذه مثل متلازمة توريت تثير نفس السؤال، فهنا يتلفظ الشخص بكلمات نابية بلا شعور، ولا يقدر أن يوقف نفسه. مثل هذه الحالات تحكمها الجينات والبيئة، هي التي تزيد احتماليات فعلك لذلك. إذا كنت ذكراً، فهل اخترت جنسك الذي ولدت به؟ لا، لكن كروموزوم Y الذكوري يضاعف أضعافاً كثيرة احتمالات فعل الذكور لجرائم الاعتداء الجسدي والجنسي والقتل والسطو المسلح. إن المخ مكون من شبكة ضخمة من الخلايا المترابطة، وأي تأثير بسيط على جزء يؤثر على بقيته.

لا يعني هذا أن الإنسان مسيّر وغير مسؤول عن أفعاله، لكنه يثير التساؤل: ما مدى حرية الإرادة البشرية فعلاً؟