وقف عالم الرياضيات الألماني ديفيد هيلبرت أمام حشد من العقول اللامعة عام 1900م في مؤتمر لعلماء الرياضيات في باريس، وهتف بثقة: أبشركم بقرن جديد مشرق؛ لأنه سيمتلئ عن آخره بإنجازات علمية عظيمة.

يحق له أن يتفاءل هكذا، فلم يبق آنذاك إلا 23 مسألة رياضية غير محلولة في النظام النيوتني، ولو حللناها فقد فككنا شفرة الكون. اشتعلت شهوة العلم في الغرب، ونظروا لأفق لا حد له من التوسع العلمي، وفي كل المجالات (علم، فلن، فلسفة) بدا أن هناك عالما جديدا مقبلا. وزارت الأديبة البريطانية فيرجينيا وولف معرض رسم فرنسي وانبهرت، فقالت: "إن الطبيعة البشرية نفسها قد تغيرت في هذا الشهر ديسمبر من عام 1910م"، وتلا ذلك لوحات بيكاسو وروايات الأديبة وولف وجيمس جويس، فقلبت أعراف الرسم والرواية على رأسها. الإبداع انفجر. الأمل يشرق على كل نفس أوروبية...

... حتى أتى عام 1914م، بداية الحرب العظمى، التي عُرفت فيما بعد بالحرب العالمية الأولى. كما ثارت همم الإبداع في أول القرن، اندلعت جهنم الدنيا لتستخرج من جوف أوروبا أبشع صنائع الشر البشري، حربا سُمّيت انتحار أوروبا الجماعي، نحرت من شباب أوروبا عدداً مذهلاً، حتى إن خبراء يقولون إن أوروبا لم تتعاف إلى اليوم رغم مرور أكثر من قرن. هذه الحرب أظهرت أن في باطن الحضارة الغربية، التي تبدو مشرقة بالأمل، عدمية مدمرة لذاتها. العامل نفسه الذي ألهم العلم هو الذي ألهم التدمير. لن تحصل على هذا بلا ذاك. هنا رأت البشرية شيئاً جديداً: حرب الخنادق. يحفر الجنود خنادق في الأرض يضعون حولها أكياس الرمل والأسلاك الشائكة، ينزلون في الحفرة ليحتموا من القذائف والرصاص، يبرزون ليطلقوا النار، وهكذا دواليك. لون من الجحيم. العلم سلاح، ويا لهوله! كانت أسوأ حقبة في تاريخ أوروبا.

لكن بزغ الأمل من جديد، وبدأت الشعوب تفيق من الصدمة، تتمسك بالتفاؤل، تبدع، تنتج، لن نستخدم العلم في التدمير أبداً! إلى أن أتى 1939م وانفجرت الحرب الثانية، أشنع شيء رأته البشرية حتى اليوم، وانقشع غبار الحرب عن جثث أوروبية على مد البصر، تعلوها جثة شيء كان اسمه... الأمل.