الصحراء بسكونها وتكراريتها تختزل التاريخ وتحوله إلى مجرد لحظة في عالم السكون الصحراوي، ورمضان يستحضر كل الأمكنة بتاريخيته وتراكميته وعمقه الثقافي. مدرسة الصحراء بحسيتها وتجريبيتها ومدرسة رمضان النفسية والعقلية جعلتا من أيام في الربع الخالي فرصة للتأمل والتعلم والاكتشاف والاختلاء بالنفس..

تخيل أنك في الربع الخالي وفي بداية شهر رمضان ومع دخول فصل الصيف، هذا ما عشته أيام الأسبوع الفائت عندما كنت في مهمة عمل تقتضي أن أكون على أطراف الربع الخالي منذ أول يوم في شهر رمضان المبارك. ورغم أن بدايات رمضان لها طعمها الخاص وعبقها الاجتماعي الذي لا يتكرر إلا في هذه الأيام والتي بالطبع افتقدتها بشدة وأنا في هذا الخلاء الممتد إلى ما لا نهاية إلا أن الوحدة والاختلاء بالنفس كانا ضمن الدروس المهمة التي يمكن أن أضيفها لمدرسة الثلاثين يوماً. هذه المفارقة الكبيرة بين الحميمية المجتمعية التي يولدها رمضان كل عام ووحشة الصحراء وقسوتها والشعور بالوحدة الذي تولده، أمضيت الأربعة الأيام الأولى من رمضان أفكر في دروس الصحراء الصعبة التي مر بها من عاش على هذه الأرض قبل النفط. البعض يقول: إن "تلك الأيام قد خلت" لكن في حقيقة الأمر التجربة تستحضر الذاكرة وتجعل من الصحراء درساً مفتوحاً.

في هذا المكان لا يحتاج المرء للكثير بل ربما يتجرد من غير الضروري للحياة، وهذا أكثر ما لفت انتباهي بين العلاقة بين رمضان الذي يعلمنا الزهد والبساطة والتواضع والشعور بالآخر، وبين الصحراء التي تجبرنا على التخلي عن الأشياء غير الضرورية وتجعلنا أكثر ارتباطاً بأنفسنا وفهماً لها. هذه المفارقة ربما هي التي ذكرتني أنه لا مجال في هذا الفضاء الممتد للرفاهية وأن الحياة يمكن أن تولد من الموت. مناظر كثبان الرمال الممتدة التي لا تحمل أي مظاهر للحياة إلا على أطراف "السبخات" المتكلسة الشديدة الملوحة تجعل للحياة معنى، وأقصد هنا أن هذا المشهد المتكرر في رتابة يعطي معنى أكبر للحياة الثمينة التي تولد بين حبات الرمل، فهي تقتنص فرصة الولادة من مصادر المياه بين كثبان الموت التي لا تنتهي، إنها حياة بسيطة قنوعة وخجولة ولكنها ثمينة وغالية. ربما الشعور الرمضاني كان طاغياً وأنا أشاهد الصحراء بهذه المعاني الزاهدة لكنه كان شعوراً يقربني للمعنى الحقيقي للحياة.

في اليوم الثاني من رمضان كنت في زيارة لمنطقة السبخات الكبرى بالقرب من شيبة، ولاحظت أنه لا يوجد سبخة تشبه الثانية، وأن هذه المناطق الطبيعية تصنع كثبان الرمال التي حولها، وتمثل علامات مهمة يستدل بها في الصحراء، تخيلت أن أجدادنا كانت لديهم خارطتهم الذهنية للصحراء التي عاشوها وطوروا العلامات التي يستدلون بها على الأمكنة "الفضاء" ووظفوا "السبخات" كنقاط للتعريف، فكون كل سبخة لها هويتها "المورفولوجية" والبصرية فإن هذا يعطيها قيمة استدلالية أساسية في فضاء ممتد إلى ما لا نهاية. كما أنني لاحظت وجود عمارة مبهرة لكثبان الرمال تجعل منها أماكن معروفة بالنسبة لرواد الصحراء. هذه العمارة الطبيعية على وجه الخصوص هي التي تفتح الخيال على مصراعيه وتجعل أبناء الصحراء يرون ويقدرون التنوع الذي لا نراه.

كنت أتحدث مع السائق الخبير "عظمت خان وهو باكستاني" الذي جال بنا في الصحراء وكأنه يجول في مدينة يعرفها وخارطتها مرتسمة في ذهنه، قلت له: كيف تعرف الأماكن وهي في عيني تتشابه وتتكرر، قال: إن لكثبان الرمل "هيئات" نعرفها بسيماها، ولكل "سبخة" تكوينها الذي نستدل به على الأمكنة. الإنسان هو الإنسان في كل مكان وفي كل بيئة، وهو قادر على بناء الخرائط الاستدلالية الذهنية، ويملك الحس العميق لتوليد علامات الاستدلال التي تمكنه من السيطرة على البيئة التي يعيش فيها، فتذكرت قول الله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الجاثية: 13.

كان من الضروري أن أتأمل رمضان الشهر المعلم والصحراء البيئة المعلمة، وأنا هنا أتحدث عن "المكان والزمان" وأتحدث عن مكان خاص وزمان أكثر خصوصية. الصحراء بسكونها وتكراريتها تختزل التاريخ وتحوله إلى مجرد لحظة في عالم السكون الصحراوي، ورمضان يستحضر كل الأمكنة بتاريخيته وتراكميته وعمقه الثقافي. مدرسة الصحراء بحسيتها وتجريبيتها ومدرسة رمضان النفسية والعقلية جعلتا من أيام في الربع الخالي فرصة للتأمل والتعلم والاكتشاف والاختلاء بالنفس.