رحم الله الشيخ علي الطنطاوي رحمة واسعة، فقد كنا نتحلق حول التلفاز لسماع حديثه، لم يكن حديث الشيخ وما يطرحه أو يناقشه شيئاً غريباً علينا، فربما كنا سمعنا مثله أو ما يشبهه، ولكن الرائع والجميل الذي يشدنا إلى الشيخ كان أسلوبه وصدقه، فلقد كانت نبرات صوته تذهب إلى القلب في متعة لا يعادلها أي متعة، وفي طراوة وعذوبة تجعلك منجذباً إليه ذاهباً معه، ذلك في ظني يرجع إلى سببٍ واحدٍ فقط هو صدقه. فقد كان ذلك الشيخ مؤمناً عميق الإيمان صادقاً، قد امتلأت نفسه رضا ويقيناً، فارتفعت عن مطامع الدنيا وزخرف الحياة.. فجاء حديثه نقياً صافياً بريئاً متدفقاً كما يتدفق الماء من نبعٍ غير ملوث؛ لهذا أحبه الناس على اختلاف ميولهم ومشاربهم، ولهذا ظل عالقاً في أذهان الناس وقلوبهم.. وهكذا يكون الواعظ الصادق؛ لأن رنة صوته تذهب إلى القلوب دونما استئذان، وفي القلوب أسرارٌ عجيبة فهي تألف وتقبل وتحب. كما ترفض وتستخف وتشمئز، وذلك أن في القلوب - مغناطيس - يجذب إليها الأشياء النقية، فتنجذب في طواعية وانقياد، فكم من موعظة أراقت الدمعة في عينيك! وكم من موعظة اشمأزت منها نفسك، مع أن الحديث واحد، وتستخدم فيه الألفاظ نفسها، ولكن الفرق في علاقة ألسنة الوعاظ بقلوبهم، صدقاً وأمانة… وما أسرع حديث الصادقين إلى القلوب، وما أبطأ وأبعد بعض الأحاديث عنها. والسر يكمن في الصدق، نعم "الصدق" فهو وحده مغناطيس القلوب.