صادف يوم الاثنين الماضي أول أيام شهر رمضان المبارك الذي عادة ما يشهد استهلاكاً شرهاً للمواد الغذائية والتموينية بما في ذلك الاستهلاكية، إذ قدر تقرير صحفي إلى أن إنفاق الأسر في السعودية على المواد الاستهلاكية في شهر رمضان يصل إلى 20 مليار ريال، ما يعادل إنفاق ثلاثة أشهر من العام.

هذا الرقم والإنفاق الاستهلاكي الضخم والمخيف في نفس الوقت يدعو لوقفة تأمل لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء هذا السلوك الاستهلاكي غير المبرر وبالذات وأن شهر رمضان، شهر عبادة وتقرب من الله عز وجل، وشهر يفترض أن يكون شهر اقتصاد في المأكل والمشرب بهدف الاتعاظ بما يعانيه الفقراء والمساكين من عوز وعدم القدرة على سد رمقهم من ملذات الحياة من المأكل والمشرب.

برأيي أن الفهم الخاطئ للمفاهيم السامية والنبيلة والسلوكيات والتصرفات التي من المفترض اتباعها والاقتداء بها في شهر رمضان الفضيل، بالإضافة إلى ما أفرزته العادات والتقاليد من ممارسات غذائية مجتمعية مترفة وخاطئة، هي التي أوصلتنا كمجتمع سعودي لأن تَغلب علينا طبيعة السلوك الاستهلاكي الشره.

إن المتابع للنمط الاستهلاكي الشره في شهر رمضان في مجتمعنا يمكن له أن يعمم على بقية أمور حياتنا اليومية، حيث على سبيل المثال لا الحصر، ما يستهلكه الفرد في المملكة العربية السعودية من المياه في اليوم يزيد على ثلاثة أضعاف ما أوصت به منظمة الصحة العالمية، حيث يستهلك الفرد في المملكة من المياه ما يعادل 263 لتراً في حين أن ما أوصت به المنظمة 83 لتراً. هذا الاستهلاك للمياه في حد ذاته مشكلة في بلد مثل بلادنا التي تُعاني من شح مصادر المياه غير المتجددة. ويمكن قياس ذلك السلوك المفرط في الاستهلاك على استهلاكنا لمواردنا الطبيعية والاقتصادية الأخرى مثل استهلاكنا للطاقة وإلى غير ذلك من الموارد.

برأيي أن الحل الوحيد للخروج من أزمة ومأزق الاستهلاك المفرط للمأكل والمشرب في الشهر الكريم، هو التدبر والتعمق في الفلسفة الآلهية لأبعاد وأهداف هذا الشهر، ومن ثم الالتزام بالسلوكيات الإسلامية السليمة والصحيحة المرتبطة بحسن الإنفاق والبعد عن الإسراف والتبذير، كما أن الأمر يحتاج إلى تبني سياسات شرائية مقننة ومدروسة ومخطط لها مسبقاً، بحيث تركز على إشباع الحاجات والرغبات الأساسية للفرد بعيداً عن الإفراط والتفريط. كما أنه من الضروري جدا اتباع سياسة تسوق ذكية، تستند إلى ثقافة الشراء للحاجيات بالوحدات أو بالحبة وليس بالكميات، تجنباً لعدم استهلاكها خلال فترة تواريخ انتهاء صلاحياتها لينتهي بها الأمر إلى صناديق النفايات.

ومن الضروري جداً كذلك اتباع نصائح علماء النفس في التسوق والشراء الصحيح والسليم، التي من بينها الالتزام بالشراء وفق قائمة مشتريات معدة مسبقا تجنباً لأن لا يتم الشراء بشكل عشوائي وارتجالي، لينتهي الأمر بالشراء وفقاً لما يعرف مصطلحاً بالشراء "النزوي أو التلقائي"، الذي يعني شراء سلع لم تكن في ذهن المشتري من الأساس قبل دخوله للمتجر أو للسوق. ولتجنب التسوق النزوي، يُنصح بعدم التسوق والشراء على معدة فارغة Empty Stomach باعتبار أن الشراء على معدة فارغة، يكون عاملاً محفزاً ومساعداً على الشراء النزوي أو التلقائي.

إن اتباع سلوك مرشد للاستهلاك وللشراء سواء في شهر رمضان أو غيره من شهور السنة، سيساعد بشكلٍ كبير جداً على تجنب التبذير والإسراف في صرف الأموال وتبديدها بما في ذلك المساعدة على تنمية سلوك الادخار والتدبير لدى أفراد المجتمع، والذي بدوره سيعود على الفرد وعلى الاقتصاد الوطني للمملكة بفوائد عظيمة، تتصدرها المحافظة على الموارد الطبيعية والاقتصادية في بلادنا من الشح أو النضوب لا سمح الله.