لكل إنسان الحق في اختيار النسق الذي يعتبره الأصلح لحياته، والتمكن من عيش هذا الحق بحُرية هو ما يهبنا فرصة التبايُن والتفرّد، فأن تكون مُبدعًا يعني أن تكون مُختلفًا، مميزًا، ولروحك مذاق خاص وعبق عطرٍ استثنائي يجعل لكلمة واحدة منك تأثير ألف كلمة من شخص آخر ينتمي لفصيلة المكرَّرين، ومثل هذا التفرُّد لابد وأن يُشعر كل مؤسسات التدجين المعنوية ورموزها بالخطر على مصيرها من وجودك الذي يهدد وجودها، ويذكر كل أولئك الذين قولبت عقولهم وفق حجم مصالحها بأن هناك أشكالاً وألواناً أخرى خارج أسوار هذا القالب، فيجرؤون على التفكير بالفرار من سطوتها والتحرر من سيطرتها.

هناك فضاءان تحددت الثوابت من خلالهما؛ فضاء العالم القديم لا يتجاوز مداه حدود المجتمع المحيط بالإنسان والبلد الذي يعيش فيه، وفضاء العالم الجديد الذي ذابت فيه كل الحدود والقيود والمسافات بين المجتمعات والبلدان، وبينما كان العالم القديم يسهل تعريف كل شيء فيه بسبب "ثوابته" الواضحة، حيث الأسوَد أسوَد، والأبيض أبيض، والخطأ خطأ، والصواب صوابٌ بإجماع معظم أولئك المنتمين لمجتمع واحد محدود، ولكن صار العالم الجديد لا يعترف بالثوابت، فللأسود درجات، وللأبيض درجاتٌ جديدة مختلفة مهما بدا ناصعًا، والخطأ قد يكون صواباً، والصواب قد يتم اعتباره خطأ، ولم تعد المبادئ متعارفاً عليها أو متماثلة عند الجميع في المجتمع الواحد، بل صار لكل فرد مبادئه الخاصة التي قد تتعارض تماماً مع مبادئ فرد آخر في المجتمع ذاته رغم أن وراء كل منها نيات طيبة، وثقة كاملة لدى من يعتنقها بأنها هي الصحيحة.

في العالم القديم كان من السهل تأطير مبادئ البشر وخياراتهم وبرمجة عقولهم في سبيل التقليل من حدة الصراع بين الأفراد في المجتمع الواحد، فالجميع يتخرّجون بعقول ذات أفكار ومعلومات متماثلة من مدارس ذات مناهج متطابقة، أما في عالمنا الجديد لم تعد حراسة البوابة التي تخرج منها المعلومات أو تدخل إليها أمراً ممكناً بشكل كامل بعد أن صارت وسائل التواصل الاجتماعي هي الصحيفة الأعلى قراءة بالنسبة للأجيال الجديدة، وبعد انتشار المواقع الإلكترونية الإخبارية والمعلوماتية والترفيهية حول العالم بكم مهول يصعب معه أحياناً تتبع مصدر خبر أو معلومة أو السيطرة على انتشارها، وبعد تفاقم كم القنوات التلفازية الفضائية التي تمتاز كل منها بسياسة مختلفة، وبأهداف مختلفة، وبطابع مختلف.

انتهى زمن الثوابت المُرتبطة بالأفكار والمعتقدات مهما كان مدى رسوخها وقدسيتها في مجتمعات ما قبل الألفية الثالثة، ولم تبق إلا الثوابت المتعلقة بالحقائق الغريزية الفطرية غير القابلة للبرمجة أو التغيير عن طريق أي ضخ إعلامي كيفما كان حجمه أو نوعه، كحقيقة احتياج الإنسان للأكسجين، والنوم، والغذاء، والدواء، والحب، والإنجاب، تلك الحقائق التي يؤدي حرمانه منها إلا غضب عارم، وثورات شعواء تنسف كل مبدأ مادام يقف حجر عثرة في طريقه إليها. يقول غوته: أعمق موضوع في تاريخ الإنسان هو صراع الشك واليقين.