عند حصول انتفاخ حاد ومؤلم في خصية طفل تعتبر تلك الحالة خطيرة تستدعي التشخيص العاجل والمعالجة الصحيحة للحؤول دون حدوث ضمور فيها قد يؤثر مستقبلياً على طاقة الانجاب رغم أن بعض أسبابها قد لا تكون مهمة ويمكن معالجتها دوائياً. ولكن على جميع الأهل أن ينتبهوا لخطورتها وان لا يهملوها أو يتنكروا لأهميتها الطبية كما يحصل وللأسف في معظم تلك الحالات حتى مع بعض الأطباء أنفسهم محملين أنفسهم مسؤولية جهلهم وعدم ادراكهم للمضاعفات التي قد تحصل مستقبليا وتؤثر على جودة حياة فلذة كبدهم.

وقد تطرقنا سابقاً لموضوع انفتال الحبل المنوي الذي يعتبر من أبرز أسباب تلك الحالة محاولين تثقيف قرائنا الأعزاء حوله في «عيادة الرياض» الغراء وقد قررنا معالجة هذا الموضوع من جميع جوانبه لعلنا نستطيع أن نقرع ناقوس الخطر حول ضرورة الاستشارة الطبية الفورية إذا ما تعرض أحد الأطفال أو اليافعين إلى تلك الحالة. وكل يدرك أهمية الخصية لافرازها الهرمون الذكري التستوتيرون المسؤول عن المزايا الذكرية والأعضاء التناسلية الداخلية والخارجية وعن الانطاف والتغييرات الجسدية التي ترافق سن البلوغ مما يفسر العناية الخاصة التي أحاط بها خالق الكون الأوحد. الله سبحانه وتعالى. إذ انه خلقها بطريقة تؤمن حمايتها من كل اصابة أو أذى داخل كيس الصفن الذي لا يوفر لها الغطاء الواقي وحسب بل يوفر لها أيضاً الحرارة الملائمة لتقوم بوظيفتها على أكمل وجه.

ويمكن تصنيف تلك الحالات إلى فئتين أولاها التي تعتبر طارئة وتحتاج الى تشخيص ومعالجة فورية كانفتال الحبل المنوي وغيرها من الحالات التي تستدعي استشارة طبية عاجلة وان لم تكن طارئة كالتهاب البربخ والفتق المخنوق أو المحصر أو لوي لواحق الخصية أو البربخ والتهاب الخصية النكافي والادرة الحادة ومذمة الصفن المجهولة السبب ونادراً فرفرية هينوخ مع التهابها الوعائي. ومن الأهمية أثناء الفحص السريري استثناء حالات أخرى تتمثل بكتل داخل الصفن ولا تعتبر حالات طارئة كالأدرة والقيلة النطفية وكيسة البربخ والدوالي والأورام الحميدة داخل الخصية أو حولها.

ومن أبرز وأخطر تلك الحالات حدوث انفتال في الحبل المنوي الذي يعتبر حالة طارئة تحتاج إلى عناية طبية فورية من قبل اخصائي جراحة المسالك البولية والتناسلية عند الأطفال لتشخيصها ومعالجتها بدون أي تأخير أو مماطلة.. وتلك الحالة تتميز بانفتال الحبل المنوي على نفسه في عدة دورات مما يحد من رجوع الدم من الخصية نحو القلب عبر أوردتها فيسبب ذلك وذمة مترقبة تمنع وصول الدم والأكسجين إلى الخصية عبر شرايينها مما قد يسبب ضمورها إذا لم يتم معالجتها جراحياً في غضون بضعة ساعات، وقد وصف تلك الحالة لأول مرة الدكتور هنتر في سنة 1776م وتبعه الدكتور تيلور بعد مئة سنة بوصفه لحدوثها عند الجنين أنها قد تحصل في أي عمر الا ان أعلى نسبة لحدوثها تقع عند سن البلوغ أو بعد الولادة مباشرة بمعدل حالة لكل 4000 شخص تحت عمر 25 سنة من العمر وتصنف عادة الى فئتين الأولى منهما الانفتال الذي يحصل عند الجنين ويظهر مباشرة بعد الولادة والذي يعود إلى انفتال الحبل المنوي مع غشائه والغلالة الغمدية للخصية بطريقة كاملة والفئة الثانية التي يسببها انفتال الحبل المنوي داخل الغلالة الغمدية بسبب طول مساريغه أو بسبب خلل تشريحي في تعلق الخصية إلى الصفن والذي تشبه لسان الجرس BELL CLAPPER أي ان القسم الخلفي للخصية غير مرتبط بجدار الصفن مما يؤهلها على الانفتال على نفسها كما يحصل عادة عند اليافعين الذين بلغوا سن الرشد، وأما بالنسبة إلى تأثير مدة الانفتال على سلامة الخصية ودرجة ضمورها فهنالك جدل طبي حول تلك النقطة الهامة إذ ان معظم الاختبارات تمت على الحيوانات وأبرزت ان درجة افقار الخصية تتراوح نسبتها من حوالي 4٪ بعد 4 ساعات من الانفتال إلى حوالي 7٪ بعد 6 ساعات و8٪ بعد 8 ساعات و20٪ بعد 12 ساعة وحوالي 68٪ بعد 24 ساعة و100٪ بعد 48 ساعة مما يساعد على تحديد أمل استعادة الخصية سلامتها بعد تصحيح الانفتال جراحياً حسب مدته. ولكنه حيثما ان تلك النتائج قد ظهرت في الاختبارات الحيوانية فإن تحديد المدة الخطيرة للانفتال عند الأطفال التي قد تقوي إلى الاقفار والضمور لا تزال مجهولة فضلاً أنها لا ترتبط بمدته فحسب بل بعدد الانفتالات التي تصيب الحبل المنوي مما يدفع الأخصائيين الى اعتبار أية حالة انفتاخ مؤلم للخصية كحالة انفتال حتى يشخص العكس والقيام بمعالجتها بأسرع وقت ممكن جاهدين للمحافظة على الخصية إذا ما أمكنه الأمر خصوصاً إذا لم يظهر أي نخر فيها أثناء العملية الجراحية التي لا تعتمد على تصحيح الانفتال وتثبيت الخصية إلى الصفن وحسب بل تثبيت الخصية السليمة المقابلة لتفادي إصابتها بذات الحالة مستقبلياً.

ويعتمد التشخيص على استقصاء المعلومات من الأهل حول مزايا الألم الخصيوي التي تشمل موقعه ونوعه وشدته ومدته وتوقيته والعوامل المعدلة له والأعراض السريرية الأخرى المرتبطة به، خصوصاً الغثيان والقيء والتاريخ الطبي حول حدوث نفس الألم وزواله التلقائي عدة مرات في الماضي مما يوحي بتشخيص الانفتال الحالي. وأما الحالات الأخرى التي يجب استثناؤها فقد يساعد على تشخيصها الأعراض السريرية منها انتفاخ الصفن لدى الطفل أثناء البكاء الشديد أو تغيير موقع الجسم الذي يترافق عادة مع وجود ادرة أم حصول ألم خصيوي يسوء تدريجياً في غضون بضعة أيام مع ترابطه بأعراض بولية إلحاحية وتكرارية ومؤلمة التي تساعد على تشخيص الالتهاب في البربخ أو حصول ألم شديد في الخصية بدون أية أعراض أخرى والتي تشير عادة إلى انفتال أحد نواقلها كزائدتها أو زائدة البربخ الذي يمكن معالجته بطريقة محافظة بدون اللجوء إلى الجراحة.

الجدير بالذكر أنه في بعض الحالات النادرة قد يحصل انفتال الخصية مع انتفاخ وبدون ألم شديد خصوصاً إذا ما انتظر المريض أو أهله مدة طويلة قبل الاستشارة الطبية. وقد يحصل الوجع في الخصية نادراً نتيجة تواجد سرطان داخلها مع حدوث نزيف أو تخثر فيه. وبعد الحصول على جميع المعلومات حول تلك الحالة يقوم الاخصائي بفحص سريري يعتبر مع الاستنطاق الطبي في غاية الأهمية للتوصل إلى التشخيص الدقيق ويرتكز على مراقبة المريض وملاحظة أي علامات انزعاج، تهيج وأرق بادية عليه مع صعوبة في التنقل ويباشر بمعاينة وجس البطن والخصية السليمة المقابلة والمنطقة الإربية بكل رفق ونعومة مؤكداً للمريض وأهله أنه لا يريد إيذاءه أو توجيعه وينتقل إلى فحص العضو التناسلي وفوهة الإحليل لمراقبة أي سيلان يمكن مزرعته والصفن حول الخصية المؤلمة والمنفتحة، حيث يحدد الطبيب وجود حمامة أو تغيير اللون على الجلد أو وذمة أو تفاوت في الحجم ما بينه وبين قسمه المقابل أو ظهور نقطة زرقاء أو داكنة على قسمه الأمامي التي تؤكد تشخيص انفتال لاحقة الخصية أو البربخ وأخيراً يرتكز الفحص السريري على الخصية المنتفخة نفسها مع تحديد حجمها وموقعها ووضعها إذ أن تثبيتها في أعلى الصفن أو في موقع مستعرض يشير عادة إلى إصابتها بالانفتال. ومن أهم الفحوصات لإثبات التشخيص استعمال منعكس المشمرة الذي يقوم على تمسد جلد الفخذ الأنسي بقطعة معدنية غير حادة مما يؤدي طبيعياً إلى ارتفاع الخصية الموجودة على ذات الجهة في الصفن في 90٪ من الحالات فإذا ما فشل ذلك فإنه يعبر عادة عن وجود انفتال فيها، وأما إذا ما خففت فترة الألم عند رفع الخصية فوق الارتفاق العاني أي عظم العانة فهذا يدل عادة إلى تواجد التهاب في البربخ بعكس ما يحصل مع الانفتال، حيث يزيد الوجع. والجدير بالذكر أن استقصاء المعلومات الطبية من الأهل والفحص السريري يكفيان في معظم الحالات إلى التوصل إلى تشخيص دقيق وبسرعة ونادراً إذا لم يساعدا على ذلك وحسب مدة الأوجاع الخصيوية والأعراض الأخرى قد يقرر الاخصائي إجراء العملية الجراحية بدون أي تأخير أو القيام ببعض التحاليل على البول ومزرعته واللجوء إلى إجراء الأشعة فوق الصوتية بالدوبلر المزدوج والملون الذي يستطيع أن يحدد بدقة جريان الدم في الشرايين والأوردة داخل الخصية وحولها ويساعد على تشخيص انفتال الحبل المنوي في معظم تلك الحالات ناهيك عن أن تلك الأشعة قد تعطي نادراً نتائج خاطئة في بعض تلك الحالات الانتفاخ

إذ انها لا تظهر أحياناً جريان الدم داخل الخصية في بعض الحالات الطبيعية خصوصاً ان حركة المريض قد تؤثر على نتائجها التي تعتمد ايضاً على عدد الانفتالات ومدتها وخصوصاً ان مظهر الخصية في الاشعة فوق الصوتية بعد انفتال حبلها المنوي قد يكون طبيعياً في غضون اول 4 ساعات بعد حدوثه، ولكن جريان الدم داخلها ما يلبث ان يتوقف وتتغير ملامحها النسيجية في تلك الاشعة. ويساعد تلك الاشعة ايضاً على تشخيص التهاب البربخ الحاد اذ انها تظهر نفخة وزيادة جريان الدم فيه وتستثنى حالات أخرى كالأدرة والدوالي وتثخين جلد الصفن وغيرها.

وفي حال تشخيص انفتال الحبل المنوي او حتى الاشتباه به يقوم الاخصائي بكشف جراحي على الخصية ويقرر اثناء العملية إذا ما يستدعي نخرها واسودادها إلى استئصالها وتثبيط الخصية المقابلة إلى لفافة الصفن أو إلى المحافظة عليها بعد تصحيح انفتالها وتثبيتها والخصية المقابلة ايضاً إلى لفافة الصفن. والجدير بالذكر ان معظم الاخصائيين كانوا يميلون في الماضي إلى استئصال الخصية اذا ما اشتبهوا بعدم حيويتها لاعتقادهم ان بقاءها قد يسبب تفاعلاً مناعياً يؤثر على وظيفة الخصية السليمة المقابلة الا أن الاختبارات الحديثة لم تثبت أي تأثير لذلك علي الانطاف مما قد يشجع الاخصائيين على المحافظة على الخصية في حال وجود أي اشتباه من احتمال استرجاعها لحيويتها خصوصاً اذا لم يتأكد اثناء العملية الجراحية عن نخرها الكامل مع فقدان أي أمل بتحسنها المستقبلي.

وفي الحالات الأخرى التي تستدعي التشخيص السريع واصابة البربخ بالتهاب حاد الذي قد يحصل بنسبة حوالي 35٪ من تلك الحالات عند الاطفال والذي يعود إلى نزوح الجراثيم من الإحليل اليه وإلى الخصية نفسها او نادراً إلى اصابة الخصية بالالتهاب المناعي أو السيلان او أحياناً الى تراجع البول عبر القنوات الدافقة إلى البربخ عبر الاسهل او اصابة البربخ بمرض اثناء ركوب دراجة او القفز أو السقوط من مسافة عالية. وبعض هؤلاء الاطفال قد يصابون ايضاً بأورام خبيثة في الخصية او في الحبل المنوي او حوله التي قد تسبب آلاما شديدة تشبه تلك التي تحصل مع التهاب البربخ او الخصية.

وبالخلاصة ان انتفاخ الخصية الحاد والمؤلم عند الأطفال اليافعين يجب اعتباره كحالة طارئة تستدعي التشخيص والمعالجة الفورية تحت إشراف اخصائي جراحة المسالك البولية والتناسلية عند الاطفال لتفادي مضاعفاتها المستقبلية وأبرزها ضمور الخصية وفقدان الانطاف وافراز الهرمون الذكري فيها مما قد يؤثر على الطاقة الجنسية والتناسلية عند بعض هؤلاء الاطفال. فللأهل مسؤولية كبيرة في المحافظة على صحة فلذات أكبادهم وتجنب الاهمال وعدم الاكتراث والجهل في تلك الحالات مع عواقبها الوخيمة.