مع كل هذا «الضجيج» الحياتي اليومي المملوء بصخب الحداثة، إلا أن المسلمين ما زالوا يحافظون على التميز في رمضان، ويميزونه عن سائر أشهر السنة، وقد قارب المسلمون مع تقارب الأمكنة في ظل الإنترنت الذي زوى العالم في مربع صغير، قاربوا على توحيد عاداتهم وأنماط حياتهم، وبدأوا باستيعاب بعضهم بعضًا، وألف بعضهم عادات الآخر

لا جديد في أن نصوم شهر رمضان المبارك، ولا نستطيع أن نحدث للصيام نمطًا آخر بمفهوم التجديد الذي لا يفرق بين ما يقبل التجديد وما لا يقبله من الفقهيات التي تطرح كرأي لا يمس ثوابت الدين وأدلته الصحيحة الصريحة، فصيام شهر رمضان من البدهي أنه ركن من أركان الإسلام في حق المسلم البالغ العاقل المقيم الصحيح، ولن تجد شيئًا جديدًا في المواعظ المرغبة في صيامه، ولا في القوارع الزاجرة عن التفريط في أحكامه، وليس من الحكمة ولا من سيرة السلف أن يقبل رمضان ولا تسمع المواعظ والخطب المذكرة بفضله، بل كان بعض السلف يتفرغ للعبادة فيه قبل ذلك بكثير، فهي المنحة الربانية السنوية، والنفحة الإلهية المتجددة، التي تتهيأ فيها الظروف للمسلم للاستكثار من الخير، تهيئةً عرفية قد سلكها الناس وتعارفوا عليها؛ إذ يقبل عليهم رمضان وقد أعدوا له عدّة، ووضعوا له برمجة خاصة في الإنفاق والوقت والعمل، وهذا أيضًا كان حاصلاً ومتوارثًا قديمًا وحديثًا.

الجديد الذي قد نتناوله هنا هو الجديد حقَّا عن نمط رمضان المبارك في العصور السابقة، قبل هذا الازدحام السكاني الكثيف، وهذا "التنوع المبهر" من الأطعمة؛ مشروبات متعددة الألوان، ومأكولات متنوعة الأصناف، وفواكه كثيرة، ومصنوعات مختلفة التي وإن كان بعضها موجودًا، إلا أن اجتماعها كان من شبه المستحيل، لتباعد الأقطار وانعدام المواصلات المكتشفة اليوم!

وكل هذا في كفة، وتكنولوجيا العصر في الكفة الأخرى، إذ لا يستطيع أحد أن يكابر وينكر واقع الإنترنت والقنوات الفضائية والهواتف النقالة والحواسب المحمولة، والسيارات الحديثة المجهزة بكل ذلك، فكل هذا وغيره له التأثير البين الواضح على واقع المسلمين في أيام وليالي رمضان.

ومع كل هذا "الضجيج" الحياتي اليومي المملوء بصخب الحداثة، إلا أن المسلمين ما زالوا يحافظون على التميز في رمضان، ويميزونه عن سائر أشهر السنة، وقد قارب المسلمون مع تقارب الأمكنة في ظل الإنترنت الذي زوى العالم في مربع صغير، قاربوا على توحيد عاداتهم وأنماط حياتهم، وبدأوا باستيعاب بعضهم بعضًا، وألف بعضهم عادات الآخر، حيث لا تشعر بغربة اختلاف العادات في تنقلك بين بلد وآخر، وهذا ينطبق تمامًا على الحياة الرمضانية التي يعيشها المسلمون، فإن القنوات الفضائية واليوتيوبية، والتويترية، والفيسية، والسنابية، والإنستغرامية، وغيرها، قد أسهمت مساهمة كبيرة في تعانق العادات والتقاليد، وبالأخص ما يتعلق برمضان.

ومهما اختلف المسلمون في تمضية يومه وليلته، فإن رمضان يبقى بصورته التعبدية الرابط الأقوى بين العباد وبين ربهم، ففيه تصفد الشياطين، وتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، بمعنى أن الناس تقبل على فعل الخير بكل قواها البدنية والقلبية، وكل شيء دون العبادة في رمضان يعوض في غيره، ومع ذلك فالأمر يختلف بين إنسان وآخر، فليس المتعبدون والمتفرغون للعبادة كسائر الناس، والذي يطلب من هذا قد لا يطلب من ذاك، فما زال المسلمون هكذا مذ بعثة النبي صلى الله عليه وآله ما بين عامة وخاصة، ومسارعين ومقتصدين.

وهذه هي أيام وليالي رمضان، فأناس تفرغوا للذكر وقراءة القرآن والقيام، وآخرون لا تقوم الحياة إلا بهم، لكنهم ليسوا في المساجد ولا حاملي مصاحف، إنما هم في متاجرهم وفي مطاعمهم وفوق سياراتهم ينقلون الناس، وآخرون في ضجيج اللهو والمرح، بهم تزدان مدن وعواصم المسلمين، وتبقى النصيحة التي لا بد منها هي المحافظة على تذوق رمضان وتميزه عن سائر شهور السنة، بصيام نهاره، واجتماع الأسرة عند فطره، واصطحاب الأهل والأبناء لحضور تراويحه، والتمتع باجتماع الأحبة في أكلة سحوره، والاستكثار من الخير بالصدقة الهنية، والكلمة الطيبة، وما دون ذلك فالناس في فسحة يتقلبون بين عاداتهم وتقاليدهم بما لا يضر دينهم ودنياهم.

ويبقى رمضان فرصة لا تحجب دون أحد ممن أراد الخير لنفسه كي يعتقها من النار، ولا يعني هذا توقف الحياة، ولا انعزال المؤمن، إلا ما قد يفعله العابدون في الاعتكاف عشره الأواخر، وما عدا ذلك فرمضان حياة دينية، ودنيوية، وتبقى كفة الدين هي الأرجح، من باب (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة)، دون المساس بدنيا الناس من باب (ولا تنس نصيبك من الدنيا)، هذا، والله من وراء القصد.