أمر الظلم قديم قدم البشرية، والظلم عادة يقع من البشر على البشر فالحيوانات والوحوش لا يقع منها ظلم منظم وإنما ظلمها يقع عند جوعها أو الاعتداء عليها، غير أن ظلم الإنسان شيء آخر، فهو يقع من الإنسان على أخيه الإنسان وبشكل متعمد ومدروس ومخطط له؛ لذا فالظلم طبعٌ أصيل في الإنسان والمتنبي قد أوضح ذلك أشد إيضاح عندما قال:

وَالظّلمُ من شِيَمِ النّفوسِ فإن تجدْ .. ذا عِفّةٍ فَلِعِلّةٍ لا يَظْلِمُ

وهذه العلة التي تمنع الظلم قد تكون خوفاً وقد تكون نهياً دينياً يقيد الظلم ويسد منافذه، والملاحظ أنه كلما تقدم الإنسان علمياً تقدم في ظلمه وصلفه وجبروته، فالعلم هو الذي أوصل الإنسان إلى أسرار القنبلة الذرية وحينما عرفها وتوصل إلى سرها لم يجربها على الشياطين والمردة وإنما على الإنسان.. نعم على أخيه الإنسان فأذاقه وبالها، فأحرق جسده وأرضه وزرعه.. وهذا البطش الإنساني فيما بين البشر هو شذوذٌ تعدى حدود الهوس والجنون في فتكه وتدميره فلا تزال ناغازاكي وهوريشيما تحدث الفزع والرعب حتى في عقول وقلوب الأجنة في بطون أمهاتهم فيخرجون إلى يومنا هذا في بعض البلدان التي وقع عليها هذا الوبال مشوهين ومعوقين جسدياً وعقلياً، كل ذلك بسبب نزعة الشر المغروسة في قلوب بعض البشر، والله حين خلق الإنسان - ولحكمة لا يعرفها إلا هو - أودع فيه نزعة الخير وكذلك نزعة الشر، ثم أمره باجتناب الشر والذهاب إلى الخير ليبتليه بأيهما يأخذ! أبالشر أم بالذي هو أهدى سبيلاً؟!