يعتقد الساسة أن بإمكانهم عمل كل شيء عن طريق السياسة والسياسة فقط. ومع أهمية السياسة لا سيما في العلاقات بين الدول، إلا أن علاقة السياسة بالثقافة كعلاقة السفينة بالمحيط. فإذا كانت السياسة هي تلك السفينة التي يستقلها الوطن في علاقاته الخارجية، فإن هذه السفينة لا يمكن أن تتحرك دون وجود نطاق من الماء تتحرك من خلاله، وهذا النطاق هو الثقافة.

ومن هنا تأتي أهمية الثقافة كقوة ناعمة نحو تحقيق الأهداف السياسية لأي دولة، ومن أهم هذه الأهداف هو تحسين صورتها الذهنية ونقل إنجازاتها إلى العالم الآخر بالشكل المناسب. أقول هذا الكلام وأنا أتذكر تلك الأيام الثقافية التي كانت تقيمها سفارات المملكة في شتى أنحاء العالم لتعريف الآخرين بثقافتنا وإنجازاتنا. حيث أصبحت الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً لهذه الأيام حيث تتسارع الإنجازات في عهد خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين حفظهما الله.

كما لعبت وكالة التعاون الدولي بوزارة التعليم دوراً كبيراً من خلال معارضها الإثنين والثلاثين التي أقامتها، دوراً ليس فقط في نقل الثقافة السعودية، بل والثقافة الإسلامية بشكلها الأوسع. فقد حدثني الدكتور سالم المالك المشرف على إدارة التعاون الدولي والشراكات بالوزارة عن قصة العجوز ذات السبعين عاماً التي حضرت إلى الجناح السعودي في هافانا وتسأل عن رئيس الوفد السعودي. وعندما قابلته أبلغته، بلغتها الإنجليزية المكسرة، أنها تحتفظ منذ أن كان عمرها خمس عشرة سنة بوريقات من كتاب يسمى "كاران"، ومع أنها لا تعرف قراءتها إلا أنها تعرف أن هذا الكتاب مقدس عند المسلمين. فأدرك الدكتور أنها تعني القرآن الكريم، فأعطاها نسخة مترجمة منه مع بعض الكتب عن الإسلام. وقد أخذت تتردد على الجناح السعودي، وفي أحد الأيام أبلغت الوفد السعودي برغبتها في الإسلام. وبحضور مدير المركز الإسلامي في الأرجنتين نطقت الشهادة. وفي العام المقبل قام السفير السعودي بطلب الدكتور سالم في السفارة الساعة الواحدة ظهراً، وإذا بتلك العجوز تدخل عليهم لتقول لهم اليوم أنا أحتفل بيوم ميلادي الأول، حيث أشعر بسعادة غامرة بعد إسلامي. وكان معها سيدتان أسلمتا كذلك.

مثل هذه القصص تؤكد قدرة الثقافة على التأثير الذي تعجز عنه السياسة. وتؤكد حاجتنا لاستمرار مثل هذه المعارض، والمحافل ودعمها. لا سيما أن ثقافتنا اليوم تتطور وبشكل يستحق أن يتعرف عليه الآخرون.