إن «المحكمات والمتشابهات»، التي ذكرها الله في كتابه ليست في متناول فهْم الجميع، كما أنها كذلك ليست بعيدة المنال لمن تجرد بعقله وفهمه في النظر والتأمل، والذي لا شك فيه أن فقهاء المسلمين وعلماءهم هم أكثر الناس فهمًا لتلك المحكمات، وأبعدهم عن اتباع المتشابهات..

يأخذني فكري طويلاً في كل مرة أقف فيها على قول الله: (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)، وأتأمل بعمق في الواقع الذي رسمه كثير من الناس، رسمًا تصوريًا مستندًا لبعض الآيات والآثار، ومتماشيًا مع النفسية التدينية، التي غلبت على المجتمعات العربية، معتبرين ذلك التصور النفساني محكمًا من محكمات التدين، يحاكمون إليه المجتمعات، ويقيسون إليه مستوى التدين عند الفرد والجماعة، ويخالفون لذلك مقتضيات العقل مهما كانت واضحة عند المقارنة بين الواقع المفروض والأمر المرفوض، وحين تعصف بالناس هذه الموجة العابرة يتفاداها الأكثرون بمجاراتها وعدم مصادمتها، فيسبحون معها بعكس وجهتهم التي كانوا يقصدونها، فلا يشعرون إلا وقد قذفتهم في ساحلها وحالت بينهم وبين أهدافهم.

إن «المحكمات والمتشابهات»، التي ذكرها الله في كتابه ليست في متناول فهْم الجميع، كما أنها كذلك ليست بعيدة المنال لمن تجرد بعقله وفهمه في النظر والتأمل، والذي لا شك فيه أن فقهاء المسلمين وعلماءهم هم أكثر الناس فهمًا لتلك المحكمات، وأبعدهم عن اتباع المتشابهات، وعلى وجه الأخص أولئك الأئمة والمفسرون الذين دونت أقوالهم، وأُصلت مذاهبهم، ورُسمت طرقهم واضحة المعالم، ومع كثرة اختلافهم وتباين آرائهم لم يتهم بعضهم بعضًا باتباع المتشابه، أو بزيغ القلب، وقد اتسعت مداركهم لمفهوم المحكم، فلذلك لم ينكر بعضهم على بعض في الاختلاف في بعض أفراده وصوره، فالمحكم من الكتاب – وإن كان موضوعًا مستقلاً وبحثًا متكاملاً – إلا إنه من حيث العموم هو ذاك المفهوم الذي حاول فقهاؤنا وعلماؤنا إيصاله إلينا بكل أساليبهم الممكنة، عن عدل الأحكام وموافقتها للعقل، وتناسبها لكل زمان ومكان، فليس من محكمات الشريعة، ما يكون سببًا للفهم السيئ أو حجر عثرة في طريق التقدم العلمي، أو سببًا للتناحر والتدابر، أو حتى سببًا للتشاؤم والقلق والفزع!.

وليس من محكمات الشريعة ما يسد باب الرجاء والرحمة، أو يقنط العابد حتى يحول بينه وبين حسن الظن بربه.

ولما أنزل الله قوله: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) شق ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (إن الشرك لظلم عظيم)؟. فهذا الالتباس الحاصل ليس لكلمة ليست عربية، ولا لكلمة وحشية المعنى، فالظلم وضع لمعنى معروف ومتبادر للذهن، لكنه تناول معنى أخص في هذه الآية، احتاج السائل معه إلى التفسير والبيان، وهذا باب واسع في أدب التلقي، فكثير من آيات الكتاب يفسرها الناس بما تهيأت له نفوسهم وتكيفت به أفهامهم، وإن كان ذلك التفسير يتناقض تمامًا مع أبجديات العقل والنقل، غير أن توجهًا ما، أو واقعًا ما، يفرض تفسيرًا مناسبًا للحال، وحين نشأت الخوارج لم تنشأ إلا من هذا الباب، وهو تفسير الآيات بما يتناسب مع التوجه أو الفكرة، وإلا فإنه من غير المعقول أن تدل آية أو حديث صحيح على معنى باطل دون اقتران الاستدلال بشبهة «نصرة حق» أو «تمسك بسنة».

وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) قال: «إن لم تكن الحرورية أو السبئية، فلا أدري من هم؟». وعمدة أدلة هؤلاء هو من باب «نصرة المذهب»، مع أن محكم العقل يقتضي بطلان مذهبهم واستدلالهم، فهؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله - ما زالوا يملأون الأرض ويعلّمون الناس وما فيهم صحابي ناصر ذلك المذهب المنحرف، فلم ينصاعوا لسؤال العقل، كيف خفي هذا الحق على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله - وهم من اختارهم الله لصحبته، وألهمهم نصرته، وحبب إليهم رفقته، وهم من نقل ما يستدل به الخوارج، فتكونت عندهم الفكرة، وجمعوا لها، وكفروا من عاداها، ورسموا عن الإسلام صورة عدائية مليئة بالتناقضات، مع أنهم قريبون من عهد الرسالة.

إن آيات الكتاب العزيز ترجعنا دائمًا إلى محكم العقل كي نتجنب الوقوع في مزالق الفهم السقيم، (وما يذكر إلا أولو الألباب)، (أفلا تعقلون) ليفهمنا ربنا أن كمال الشرع يلوح لكامل العقل، وما كان من تقصير أو تأخر فمرده إلى عدم تعقل الإسلام، والسير به في منحنيات الأفهام السقيمة.

إذا فهمنا هذا يمكن أن نفهم كيف تجير عقول شبابنا ليقتلوا أنفسهم ويقتلوا إخوانهم المسلمين، في بلاد المسلمين، وهم يظنون أنهم بذلك يتقربون إلى الله، وينصرون دينه، ويعلون كلمته، وصدق الله إذ قال: (قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعها). هذا، والله من وراء القصد.