التراكم المعرفي الذي عرفته الثقافة الإنسانية كان وراء انشغال العلماء المحموم بكيفية التعامل مع الظاهرة الإيقاعية للشخصية والتغيرات الاجتماعية، وفي ظل ثورة التغير الاجتماعي التي يشهدها المجتمع السعودي، أصبح من الواجب على المشتغلين في حقل علم الاجتماع وعلم النفس تخصيب رؤيتهم التي يجب أن تسهم في الانفلات من كل قديم والبحث في الجديد، من خلال دراسة التغير الاجتماعي المتسارع الذي يحصل الآن، ومن أجل توجه جديد يميز بجلاء بين هذه المتغيرات وما يمكن أن نسهم به إزاءها، حتى نحدد بدقة ونرصد طبيعة العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان ومجتمعه، وكل تغير يمر به، كذلك الصراع والتقدم والتنمية، أيضاً نوعية التغير الاجتماعي، وهل هناك تصور جديد للمجتمع.

يشغلني دائماً البحث في المنظور النفسي والاجتماعي للإنسان العربي، لأننا لا نماري إن قلنا: إن الوعي بمعالم النفس البشرية هو إحدى العتبات نحو الإحاطة بالحدود الفاصلة بينك وبين الآخر، ذلك الآخر المجهول حتى لو كان جارك، أو صديقك، أو أحد المارة في الشارع، ثقافة معرفة الآخر ودراسة السلوك الاجتماعي والنفسي للفرد بشكل مستقل والبحث في منظورات وتصورات الإنسان حاجة ملحة لتقدم المجتمع وتنميته حيث التوازن بين الإنسان ومتطلباته والمجتمع ومتطلباته أيضاً دون إفراط أو تفريط، من أجل التفكير في خاصية الشخصية وتوجهاتها وتطورها ونموها والاستفادة منها.

إن الشاهد على وجودنا هو ما يمكن الكشف عليه من خلال الواقع ووعينا بمقتضيات المجتمع، فهذا يعد وجهاً من وجوه المغايرة والاختلاف، لذلك كيف نتجذر بالعلاقات الاجتماعية دون المساس بالإيقاعات الشخصية، ولماذا لا تغترف من معين المجتمع المليء بالاختلاف والائتلاف، فلا يمكن لأي دراسة تخص الإنسان والمجتمع ألا تكون في علاقة مباشرة مع الذاكرة التي تؤرخ لكل شيء، فالذاكرة تؤكد أن الإنسان كائن تاريخي، فنحن مسؤولون عما يحصل لنا وما يحصل حولنا ومعرفتنا به ما هي إلا نوع من الوقاية لما يمكن أن يجرفنا نحو التغيير الذي لا نريده، لذلك المصالحة الاجتماعية لابد منها حتى تكون الأسّ الذي نعتمد عليه للبحث في المكنون الاجتماعي وعوامل تغيره وتحوله.