هناك قوى كامنة في العمارة منها روح المكان وجوهر العلاقات المهنية التي تجعل منها مكوناً قريباً من الفن الجماهيري. القدرة على التعبير والوصول للآخر هما من مكامن القوة في مهنة قديمة كالعمارة، لكن ما يحزن فعلاً أن هذه القوة غير مستغلة لدينا..

في الطابق 86 من برج "بتروناس" في كوالالمبور سألت عن مصمم البرجين التوءمين فقال لي أحد الزملاء المعماريين الماليزيين: إنه "سيزار بيلي" وهو معماري لاتيني لكنه علق قائلاً: لقد أصبح اسمه على كل لسان بسبب هذين البرجين، وأجبته "إنها قوة العمارة". الذي يبدو لي أن الكثير لا ينتبه إلى هذه القوة التي تشكل الذاكرة وتصنع الانطباع العام عن المكان والبلد، فبرجا بتروناس جعلا من العاصمة الماليزية معلماً، وبمجرد ظهور صورتهما يعرف الناس المكان. هذه القوة الكامنة في العمارة تحتاج لمن يعرف أن يظهرها، فمن بين آلاف المباني يتحول أحدها إلى قوة موصلة ومعبرة. قلت للزميل وأنا أشاهد المدينة من الأعلى: ماذا تعني "كوالالمبور"، فأنا مغرم باكتشاف عبقرية المكان، فهذا جزء من قوة العمارة. قال لي: إن "كوالا" هي التقاء النهرين، و"لامبور" هي الأرض الرطبة، وهذا يعني أن مولد الحياة في هذه المدينة كان على الدوام هو الخصوبة ووفرة المياه.

في مطلع الأسبوع الفائت كنت في زيارة لمعهد الترجمة والكتب الماليزي، وهو مركز يعمل فيه 132 موظفاً يقومون بترجمة وإعداد مئات الكتب سنوياً إلى لغة "المالاي" ومنها إلى اللغات الأخرى، وقد توقفت عند كتاب تمت ترجمته للعربية عنوانه "عين" وهو مجموعة شعرية للأديب الماليزي "كمالا" المولود في العام 1941م، ولفت انتباهي أن شعره يحاور الطبيعة ويحاول أن يفهم "قوة المكان"، وهي قوة لابد أن تطبع الأدب والفن بما في ذلك العمارة بطابعها. في قصيدة "كوالا بيلة" يقول:

نفحات أنفاس الفلاحين

خضراء، مثل نبتات الرز

وأغاني الطيور

بسلاسل الجبال

"كمالا" في ديوانه "عين" يحاول أن يعبر عن "قوة المكان" الطبيعية التي تحتوي على الجوهر والجذور المولدة للشخصية، والعمارة تستمد قوتها من قوة هذا الجوهر وهذه الجذور، لذلك توجد قلة فقط من المعماريين الذي يملكون الشفافية التي تمكنهم من اكتشاف هذه القوة الكامنة في المكان وعكسها في عمارتهم.

لفت انتباهي أثناء زيارة لمكتب هندسي يملكه المعمار الماليزي "عازم عزيز" أنه قام بدعوة معماري من الرعيل الأول اسمه "بهار الدين أبو قاسم" يبلغ من العمر 90 عاماً، وهو مصمم المسجد الوطني في كوالالمبور العام 1965م الذي يقول عنه الناقد المعماري الماليزي "تاج الدين راصد": إن هذا المسجد يعبر عن انفتاح المسجد على المجتمع. لقد أثارني وفاء المعمار "عزيز" لأستاذه، فقد نشر كتاباً عن المسجد ودعاه لمقابلتي وأعطاه مكتباً صغيراً منذ فترة طويلة يمارس فيه هوايته المعمارية حسب استطاعته. قوة العمارة تكمن في هذه الرابطة الإنسانية، فقد شاركنا اللقاء كذلك الناقد "راصد" الذي كتب كتاباً عنوانه "إعادة التفكير في العمارة الإسلامية" وهو كاتب جدلي له مؤلفات كثيرة عن العمارة الماليزية التاريخية والمعاصرة لكن أكثر ما يهتم به هو القوة التي تشكلها العمارة في التعبير عن الأفكار، إنه تعبير غير منطوق لكنه معبر جداً.

ويبدو أن فهم "قوة العمارة" وتأثيرها يظهران في مكونها المهني وشبكة العلاقات القوية التي يبنيها المعماريون بينهم ويتواصلون من خلالها مع بعضهم البعض، والكيفية التي يقدمون بها أنفسهم للعالم وقدرتهم اللامحدودة في صناعة النجوم. كنت في اجتماع مع إدارة المعهد الماليزي للمعماريين PAM وحرصت أن يكون المعماري "عيسى محمد" موجوداً، فقد حدثني عنه رئيس الاتحاد الدولي للمعماريين "توماس فونيير" عندما التقيت بِه في باريس في مطلع هذا العام، وعيسى محمد هو الرئيس السابق للاتحاد وكان رئيساً للمعهد الماليزي وقد عمل كاستشاري لمشروع جبل عمر في مكة في يوم ما. هناك قوى كامنة في العمارة منها روح المكان وجوهر العلاقات المهنية التي تجعل منها مكوناً قريباً من الفن الجماهيري. القدرة على التعبير والوصول للآخر هما مكامن قوة في مهنة قديمة كالعمارة، لكن ما يحزن فعلاً أن هذه القوة غير مستغلة لدينا، لا على مستوى استيعاب روح المكان ولا على مستوى التنظيم المهني. أعتقد أن مفهوم الرابطة التي توجدها العمارة في ممارسيها لم تتطور عندنا بعد كما أننا حتى اليوم لم نستطع أن نكتشف جوهر الأمكنة وأسباب تطور العمارة فيها، ربما هذا ناتج لقلق "تعليمي" لكنه قلق موجود في كل مكان زرته تقريباً، ولكننا نحن على وجه الخصوص لم نتجاوز هذا القلق، وظل مع معماريينا حتى بعد أن تجاوزوا مرحلة المراهقة.