منذ بداية ارتفاع أسعار النفط في السبعينات من القرن المنصرم، ونحن نعيش في حيرة بين التوطين والاستثمار. ففي أول خطة تنمية اقتصادية 1970-1975، وضعت المملكة أمامها عدة أهداف، لعل أهمها: تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. وهذه الأهداف إذا ترجمناها، ضمن فلسفة التنمية في المملكة، فإنها تعني النهوض بالقطاع الخاص.

وهكذا أسقط في أيدينا، فنمو القطاع الخاص وقتها كان غير ممكن، من دون استقدام العمالة الأجنبية. لأنه لم تكن لدينا حينها اليد العاملة الكافية- لا من حيث العدد ولا من حيث الكيف. وحتى بعد تحسن العناية الصحية وارتفاع نسبة المواليد وزيادة عدد السكان السعوديين، فإن ذلك لم يصاحبه تحسن في مناهج التعليم-هذا إذا لم نقل العكس. وبالتالي بقيت تلك المناهج وحتى الأمس القريب بعيدة أشد البعد عن خطط التنمية. وهذا كانت له تكلفته. إذ نشأ لدينا انبعاج، أو فلنقل تباعد شديد بين النمو السكاني المرتفع وبين نوعية تأهيلهم العلمي. فالنمو السكاني الذي شهدناه خلال ما يقارب من نصف قرن كان نموا في قوة العمل وليس في كفاءتها. فمخرجات المدارس والجامعات كانت بعيدة أشد البعد عن مدخلات العمل.

وهذا أدى إلى نشوء مشكلة، ولكنها تختلف عن المشكلة التي كانت موجودة في سبعينات وثمانينات القرن المنصرم. فالتنمية التي شهدناها خلال الـ50 عاماً الماضية، قد أدت إلى نشوء قطاع خاص معتمد على العمالة الوافدة. وهذه العمالة الوافدة لها مميزات: رخص الثمن والتأهيل الفني، وبالتالي فهي ضرورية للعديد من قطاعات الأعمال كقطاع المقاولين. ولكن هذا الجانب الإيجابي تأثر بظاهرة التستر. ويعود سبب انتشار هذه الظاهرة إلى الدخل الذي تدره على أصحابها دونما جهد يذكر أو مجازفة. ولهذا توسعت هذه الظاهرة وأصبحت تغطي نطاقا واسعا ابتداء من المقاولات وانتهاء بالبقالات. 

ولم يترك استفحال ظاهرة التستر أمام الجهات الحكومية أي خيار، غير البدء في محاربة هذه الظاهرة. وذلك لخطورتها ليس فقط على الاقتصاد وإنما على الأمن الوطني. ولهذا فليس مصادفة أن تشتد محاربة التستر مع بداية طرح رؤية 2030، التي تستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. فتحقيق أهداف الرؤية، كان يتطلب قيام قطاع أعمال سعودي قوي يمكن الاعتماد عليه في تنفيذ مشروعاتها. فإنجاز رؤية 2030 يتطلب تدفق الاستثمارات بالدرجة الأولى ليس على الدكاكين ومحلات بيع الفول والحلاقة والبقالات، وإنما على المناطق السياحية والمصانع الضخمة. وهذا يتطلب مستوى عال من الشفافية، الأمر الذي يتناقض مع التستر، الذي يعتبر الباب الخلفي لاقتصاد الظل.