لم يكن اهتمام العرب باللغة إلا لعلمهم كيف يكون أثرها لمن أتقن الخطاب وأحسن اللغة، فتتسرب إلى الوجدان الجمعي، فلو تزامن ما لدينا من علوم وثقافة مع خطاب متقن من البلاغة والأدوات لتقدمنا على أسلافنا كثيراً..

لم يكن ليتأتى للقدامى ذلك التأثير في المحيط الاجتماعي وفي الواجدان الجمعي، إلا بعلم أتقنوه، وبفهم كامل يسبر أغوار النفس لمن يقرأهم ولمن يسمعهم. ولتجليات الكلمة شأنها في العلوم الحديثة وبحسب حتمية الزمان والمكان؛ ولذا نتساءل: لماذا سطع نجم هؤلاء وعلى سبيل المثال كل من الجرجاني أو الفرابي أو سيبويه أو الكسائي الذي نسب إليه عصره (وسمي بعصر النور والعلم والمعرفة)! ذلك أنك إذا دخلت عند الخباز وجدته يتكلم في التفسير، والعجان تلقاه يتحدث في الشعر، والنساج يحدثك في الفقه ومذاهبه، وبالليل تقام المحاضرات والمناظرات في دور الخلفاء والأمراء، فامتاز هذا العصر بالعقليات، كما ورد في كتاب تراث الإنسانية لـ(جمال الدين الرماني) وهو ما يطلق عليه الوعي الجمعي.

إن عصرنا هذا لم يكن بأقل علماً أو معرفة حتى نتباكى على الماضي فنجلد ذواتنا ونستشعر الهون، وإنما يرتكن الأمر إلى جماليات الخطاب وإلى متعة التلقي وحرفية كيفية التأثير فيمن يتلقى، ولذا تذهب علومنا وفنوننا في عصرنا الحاضر إلى المفارة، ونبقى في تباك على من ذهب ولم يعد!

لم نعد نُلقي بالاً إلى علوم التلقي، وسبر أغوار النفس في ثنيات الخطاب! وقد سبق وأن أسميت هذا بـ(السحر المشروع) في نظرية البعد الخامس؛ وهو ما كان ينهجه هؤلاء العلماء حتى لانت لهم أعناق الحكام والأمراء والخلفاء تقديراً وإجلالاً.

فعلى سبيل المثال يقول الأستاذ عبدالعزيز البشري عن فن المقال عند الجرجاني: "يعمد عبدالقاهر الجرجاني إلى المسألة فيضفي بين يديها المقدمات، ويسبغ المقال في التعليل لها أيما إسباغ، ولا يزال يتيامن بالقول ويتياسر ويضرب في الكلام جيئة وذهوباً، ولا يبرح يفصل المعاني تفصيلاً، ويلون الحجج تلويناً.. حتى إذا ظن أنه أوفى من ذلك على الغاية، ووقع بقارئه في الصميم، راح يورد الشاهد في أثر الشاهد، جاهداً في شحذ فطنتك وارتهان ذوقك، ليتهيأ له أن يتدسس بك إلى أطواء الكلام، فتجس ما ضمنت من الدقائق جساً، وتستشعر ما أضمرت من المحاسن ذوقاً محساً.. وكل أولئك يصنعه في عبارة جزلة فخمة، ويجلوه في ديباجة مشرقة اللفظ متلاحقة النسيخ".

هذه هي كيفية صناعة الخطاب عند مؤسسه، الذي جعل من بلاغة الخطاب العربي موجاً هادراً غير مجرى التاريخ، وما أحوجنا إلى ذلك في هذا المنعطف الحاد من التاريخ!

وبطبيعة الحال لكل عصر خطابه كما أسلفنا، لكن علوم فنون التلقي لا تزال كل يوم بجديد فيما يتناسب وإيقاع العصر، فأتعجب من ظهور لغة ثالثة الآن تسمى (لغة الجرايد) وتعني البسيطة السطحية ضعيفة المفردة قصيرتها، فلا ريب أنها تركت وراءها ثغثغة رثة وتأثيراً ضعيفاً غير ذي متعة، تجر في أذيالها تلك السطحية السهلة، حتى باتت لغة الكتب والمجلدات! وبناء عليه ضعف الطالب والمطلوب.

لن يتأتي لنا استرجاع ذلك الوهج التأتيري الفعال إلا بالاهتمام بعلوم التلقي وبفن كيفية التأثير عبر اللغة، لنترك إرثاً ووعياً كما ترك أسلافنا لنا، فالجراب الثقافي والإعلام العربي ليس بخالي الوفاض على كل حال، ولدينا من يفوق أسلافنا إن أتقن ما يسيل من بين أنامله، ولكنها تظل شذرات ليس إلا! فقد يتعجب القارئ أنني أحرص على مشاهدة برنامجين على قناتين عربيتين، ليس إلا استمتاعاً بجماليات المفردة ونحت الكلمة لدى مذيعيهما؛ فللكلمة سحرها وشذاها وجاذبتها، وللحرف وهج أطفأنا نوره في خطابنا، فانطفأ تأثيره (وهنا مربط الفرس) كما يقال؛ فهل نعلم أن سيبويه قد مات بسبب أداة نصب رفعها.. في مناظرته مع الكسائي أمام هارون الرشيد، ويحفظ التاريخ هذه المحاورة حينما سأله الكسائي: "خرجت فإذا عبدالله القائم" بالنصب أو القائمُ بالرفع؟ فقال سيبويه: ذلك كله بالرفع ودون النصب.

فقال: "الكسائي ليس من كلام العرب، فالعرب ترفع في ذلك كله وتنصب". فدفع سيبويه له، ثم حكم بينهما كل من أبي الجراح، وأبي توران، وأبي ثار، وأبي فقعس، فخرج سيبويه نحو فارس حتى أنه مات حزناً وكمداً!

لم يكن اهتمام العرب باللغة إلا لعلمهم كيف يكون أثرها لمن أتقن الخطاب وأحسن اللغة فتتسرب إلى الوجدان الجمعي، فلو تزامن ما لدينا من علوم وثقافة مع خطاب متقن من البلاغة والأدوات لتقدمنا على أسلافنا كثيراً.

يقول عبدالقاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) مشيراً إلى أن العمدة في إدراك البلاغة هو الذوق والإحساس الروحاني عند القراء: "المزايا التي تحتاج تعلمهم مكانها وتصوراتهم شأنها، أمور خفية ومعان روحية.. أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها"، ذلك هو التسرب الوجداني لما له من أثر السحر المشروع!.