مدارس أبناء جيلي كانت أكثر رحابة من المدارس في أيامنا الراهنة؛ كانت المدرسة تضم مكتبة عامة، فيها ما لذ وطاب من ألوان المعرفة. وفي هذه المدرسة ملعب للرياضات البدنية، ورحلات للحدائق والمزارع، وفيها المدرس الأب، الذي يراقب طوارئ تلاميذه، فيسعى إلى حلها بشتى الطرق. وفيها الساعي، الذي يطرق باب بيت التلميذ، لأخذ إفادة من أهله إذا حبسه حابس عن الدرس. وفي المدرسة إذاعة وصحيفة حائط لاكتشاف المواهب، أو ليكتشف الموهوب نفسه. وفي هذه المدرسة مواد للخط والرسم والتجويد والإملاء، اعتباراً من الصفوف الأولية. وفي هذه المدرسة من يترقبون زوار المدينة لاستضافتهم في الاستراحة الفصلية، وفي المدرسة أنشطة عامة أخرى، تبدأ من بعد العصر وحتى الغروب؛ القائمون عليها كافة من المدرسين والإداريين الذين يقومون بعملهم مجاناً!

لكن من كل تلك المباهج لم يرسخ في ذهني إلا واقعتان، أولاهما عندما رأيت "أحمد رامي" شاعر وعاشق "أم كلثوم"، يدخل من باب مدرستنا المتوسطة، لابساً الغترة والعقال والعباءة، وكان بصحبته مسؤول من وزارة المعارف. رجل أحمر، طويل القامة، جاد. للوهلة الأولى تداعت إلى الذاكرة ترجمته لرباعيات الخيام، وإتقانه اللغة الفارسية، وديوانه الضخم الذي استعرته من المكتبة السلفية، وكان يضم قصائد عدة، قصائد تذوب رقة وحناناً وعنفواناً. منظره لا يوحي أبداً بأنه من "محاسيب" السيدة (كما كان يكتب ويقال)، همه رضاها؛ هي المتمنعة الجبارة، في أحاسيسها وإدارتها، لجوقتها التي لا تتوقف، عن تقديم فروض الطاعة علها ترضى وترق وتعفو. ذلك حالها مع السنباطي ورامي، وعديد غيرهما من الكتاب والعازفين، ورجال المال والأعمال والسياسة.

أحمد رامي، لم يدل شكله الذي رأيته عليه على ذلك، كان جاداً. ذلك كان انطباعي، وأنا أتملى ملامحه، وهو يتجول في مدرستنا، يدخل فصلنا، يتداول الحديث مع مدرسنا! ولم أسأل نفسي لماذا تخلى عن "البدلة" وتزيا بزينا؟

أما الرجل الثاني الذي زار مدرستنا الثانوية، فقد كان عالماً فلكياً، هذا العالم لم يكتف بالتجوال في المدرسة، وزيارة فصولها؛ لكنه ألقى محاضرة في معمل المدرسة حول كوكب الأرض، محاضرة هزت قناعات بعض الذين حضروها من الطلاب والمدرسين، الذين لا يقولون بكروية الأرض، أو إمكانية العيش في الفضاء؛ حتى إن أحد المدرسين انسحب بهدوء؛ وعندما سألناه في الفصل عن خروجه من المحاضرة، قال بهدوء: إنه لم يشارك المحاضر في جل كلامه، خاصة قوله بكروية الأرض، لكنه لم يشأ تعكير المحاضرة والدخول في جدل مع ضيف المدرسة، لذلك آثر الانسحاب بهدوء!

تلك الأجواء المتسامحة في مدارسنا، كان لها أثر كبير في تربيتنا، انعكس على تعاملاتنا وتعايشنا مع بعضنا، ومع المقيمين على أرضنا، لم نكن نعرف التمييز بأشكاله كافة. كان مجتمعاً متسامحاً، محباً، مقبلاً على ألوان المعرفة كافة، دون وصاية تذكر بهدف الحد من ذلك الإقبال. ذلك التواصل الجميل، بدأ يطل علينا الآن!