الحوار قضية إنسانية وأحد أهم احتياجات الإنسان المعاصر، وهو شأن عام يهم جميع فئات المجتمع لتحقيق التواصل الإنساني الذي يوفر بيئة إيجابية لتبادل الخبرات والمعارف والمهارات بما يفضي إلى التفاهم والتعايش والتكامل..

في الأيام السابقة كان التنوع والحراك الحواري حاضرًا في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني.. فقد كان حوارًا حضاريًا واعيًا يقوم على المنهجيات العلمية والملكات العقلية والأساليب البحثية المتطورة، لقد وقفت على هذا الحراك أثناء زيارتي للدكتور عبدالله الفوزان الأمين العام لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، وتحدثنا طويلًا حول موضوعات وقضايا الحوار.

لقد استن مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني سياسة تتميز بأنها تعتبر المفكر أو المثقف شريكًا لا مجرد متلقٍ، ومن هنا كان حرص المركز على استقطاب الفئة المفكرة والنخب الثقافية، فاستقطاب الفئة المفكرة والمثقفة يشكل مقياسًا من مقاييس الرقي والتحضر لأي مؤسسة أو هيئة كانت، فتقدم المؤسسات والمجتمعات لا يكون إلا بتكامل قواها.

وهذه المقاييس لا يجب أن تنحصر في الحوار الوطني فحسب بل يجب أن تتعداه إلى الهيئات الحكومية والمعاهد العليا والجامعات ومحافل العلماء والأدباء وقادة الفكر ومؤسسات التثقيف والإعلام.

إن من طبيعة المؤسسات والمجتمعات الناهضة أن تكون منفتحة مقدمة على الجديد دون رهبة أو تردد، وأن تؤمن بمقدرتها على الاختيار، وأن تقارن وتفاضل وتنتقي ما تراه في مصلحتها.. فإن من أهم مقتضيات الحياة الصحيحة تكوين النظرة الحضارية الصحيحة، وبلورة الخيار الحضاري الصحيح، وجلاء المفاهيم وهذا لا يكون إلا باليقظة الحضارية، لأن النظرة الحضارية الصحيحة تكشف الغايات والاتجاهات وما تحمله من صواب أو خطأ.

ولعل من يتأمل المشهد اليوم سيدرك هذه النقلة الحوارية الفكرية النوعية التي أحدثها الحوار الوطني بكل فعالياته التي تقدم لمختلف شرائح المجتمع منظومة من الآليات والإجرائيات الحوارية المتعددة والمكثفة التي جابت مختلف مناطق المملكة ووصلت لمختلف المؤسسات والأكاديميات والمدارس والقطاعات الوطنية المتعددة.

واليوم يتحرك الحوار الوطني في رحلة جديدة على وقع برنامج التحول الوطني ورؤية 2030 في أن يقدم نفسه في ظل التحولات والمبادرات الحضارية التي أطلقها بكل جسارة وشجاعة ومسؤولية الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - للتحديث والتطوير، يكون فيها الحوار ركنًا أساسيًا ونافذة حضارية لنشر القيم الإنسانية والوطنية النبيلة والتأكيد على الوحدة الوطنية وإرساء الخطاب الديني الوسطي المعتدل وآخر الخطاب الاجتماعي الأخلاقي الذي يقوم على المرونة الاجتماعية والشفافية والتلقائية والوضوح والتسامح والانفتاح، ويحافظ على شبكة علاقات المجتمع قوية ومتماسكة.

لقد شكل الحوار الوطني - عبر ممارسات وتجارب فكرية طويلة - خبرات وتجارب عميقة، وأقام قواعده على الوسطية والانفتاح في إطار الوحدة الوطنية وداخل إطار الكل الكبير الذي هو الوطن، فأطلق مبادراته الفاعلة في حوار وطني، وأقام أرضية خصبة للتحاور والتفاهم الجاد على أساس مرجعية وطنية.

فالحوار قضية إنسانية وأحد أهم احتياجات الإنسان المعاصر، وهو شأن عام يهم جميع فئات المجتمع لتحقيق التواصل الإنساني الذي يوفر بيئة إيجابية لتبادل الخبرات والمعارف والمهارات بما يفضي إلى التفاهم والتعايش والتكامل.

ومركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني يرسخ ثقافة الحوار وينشرها في المجتمع بجميع فئاته بما يحقق المصلحة العامة ويحافظ على الوحدة الوطنية، وذلك عن طريق توفير البيئة الملائمة لإشاعة ثقافة الحوار داخل المجتمع ومناقشة القضايا الوطنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتربوية وطرحها من خلال قنوات الحوار الوطني.

فالحوار الوطني أقام علاقات واسعة وفتح قنوات اتصال تفضي إلى تآلف اجتماعي حقيقي وتأقلم وانسجام واندماج وتجانس داخلي، وكرس وحدة المجتمع وأقام برامج حوارية وحلقات نقاش وورش تدريب تعلم ثقافة الحوار، وتستهدف تغيير القناعات والأفكار السالبة مكرسًا قيم التسامح والتصالح والانفتاح والمرونة الاجتماعية والانفتاح على الآخر، ومثريًا فكرة التواصل والتسامح والحوار الإيجابي القائم على قاعدة وطنية وإنسانية، وبنى منهجًا عمليًا وفكريًا متكاملًا يقوم على التوعية والتثقيف بمبادئ الحوار والتسامح.

لقد شكل الحوار الوطني أول مساحة فكرية في تاريخنا المعاصر قامت على أسس منهجية وموضوعية تم فيها استثمار العقل السعودي في طرح الرؤى والتصورات الوطنية المتعددة في مختلف المجالات التي عقدت حولها موائد الحوار.. الغاية من ذلك كله تآلف اجتماعي وثقافي وحضاري حقيقي ومنسجم يغلب المصلحة العليا على المصالح الضيقة، ويثري فكرة التواصل والتفاعل والتسامح والانسجام في سلوكياتنا.

فقد تميز التاريخ الديني والاجتماعي السعودي على - مدى سنوات طويلة - بطابع التآلف والتقارب والتعايش والذي نتج عنه نسيج اجتماعي ملتحم يقوم على احترام المبادئ الدينية والخصائص الثقافية والاجتماعية والمذهبية والعرقية بأسلوب حضاري وسلمي يلتقي على قاعدة المواطنة.

وانسجمت تلك الرؤى والأطروحات مع الثوابت الدينية والقيم الوطنية، وخلقت تصالحًا ما بين قيم الانتماء الديني والوطني وقيم الانفتاح الإنساني تحول فيه الحوار من قضية خطاب ثقافي عام إلى منظومة من الممارسات السلوكية، وتحولت فيه العلاقة ما بين التقليد والحداثة إلى تفاعل خلاق وتحولت فيه العلاقة مع الآخر إلى تقاسم للمشتركات الإنسانية، وتحول فيه التنوع إلى إثراء ومحاكاة وعامل تفاهم، فالانحياز للوطن واجب عملي وأخلاقي وشرعي، فلا مجال اليوم للمكوث في المنطقة الرمادية، فالوحدة الوطنية هي الثابت الوطني الحقيقي التي تقوم على ثبات العقيدة وثبات القيم والمبادئ.