من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها في عملية استهداف مقر مباحث الزلفي الفاشلة؛ الفكر المتعصّب الذي يقف خلف هذا الإرهاب ما زال متغلغلاً بشكل عميق، ويعطي مؤشّراً ودلالة بأنّ الجهود الفكرية الساعية لوأده بحاجة لجهود أكبر وأعمق..

لا يجب أن تصرفنا الإنجازات والعمليات الأمنية الاستباقية التي تحقّقها أجهزتنا الأمنية بكفاءة وتمرّس لافتين في كلّ مرّة تتعرّض فيها بلادنا لأعمال إجرامية تستهدف أمنها ومقدّراتها عن استثمار إيجابياتها المختلفة؛ فالدروس المستفادة من كل عمل إرهابي يتم إجهاضه قبل تنفيذه عديدة لا يمكن التغافل عنها وعن أهميتها؛ فهي تؤكّد أنّ الفكر الراديكالي والدوغمائي المتطرّف الذي - وإن تمترس وكَمُنَ متخفّياً- إلاّ أنّه ما زال يواصل توغّله بوحشية وشراسة منتهجاً ذات الأساليب العُنفيّة من مظاهر قتل وتخريب وتفجير سواء للمباني أو المؤسسات أو الأفراد وفق أساليب متنوّعة منها التقليدية ومنها البالغة الدقّة والتطوّر عبر الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة التي تخلّف وراءها خسائر جسيمة تكاد تضاهي خسائر الحروب المروّعة كما يحدث في بعض الدول؛ وليس ببعيد عنّا ما حدث في سريلانكا من ارتكاب مجازر في كنائس وفنادق فاقت حصيلة قتلاها الـ 300.

من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها في عملية استهداف مقر مباحث الزلفي الفاشلة؛ الفكر المتعصّب الذي يقف خلف هذا الإرهاب ما زال متغلغلاً بشكل عميق، ويعطي مؤشّراً ودلالة بأنّ الجهود الفكرية الساعية لوأده بحاجة لجهود أكبر وأعمق؛ فهذا الفكر برغم تهاوي واندحار من يقف خلفه من دول وجماعات إلاّ أنه ماضٍ في مكابرته ومقاومته العنيفة، فلا غرو أن يسعى لاقتناص واهتبال أي فرصة لممارسة دمويّته وبث سمومه وأفكاره المنحرفة المتجلببة برداء الدين لتحقيق مراداته ومن يقف خلفه. وهو فكر متعصّب يتصوّر - بغباء - أنّه سليل الدين؛ إذ يأخذ شكلاً وثوقيّاً بالعقيدة أو شكل متطرّف أعمى يستتبعه تنطّع كلّي لما عداه ومن ثمّ يمارس إقصائيّته لكل مخالف له تصل هذه الإقصائية إلى العنف المدمّر لا سيّما وأنّ العقل يخفت دوره وحضوره في التعامل مع الآخر ما يجعل تحقيق الحوار والتسامح والإيمان بالاختلاف أمراً بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً؛ فالتعصّب كما يتم تعريفه فهو سلوك باثولوجي"مرضي" ويصفه الفيلسوف الفرنسي فولتير بأنه "جنون ديني، يأخذ سحنة قاتمة ووحشية، كما أنه مرض روحي متفشٍّ يقوم من الخرافة مقام الهذيان من الحُمّى والحمق من الغضب"، كما يراه مسخ خطير ألف مرّة من الإلحاد لأنه يحمل في ثناياه غريزة الموت، ويقوم على آليات العنف والإكراه والترهيب ورفض الآخر. ونلحظ هذا المدّ العنفي في الحركات التي تتسربل -زيفاً وادّعاءً بالدين- حيث إنها تنطلق من أدبيات معروفة مفادها أنها تمثّل الدين النقي الصالح لكل زمان ومكان وتدّعي أنّ ما سواها فئة من الضّالّين سواء الأفراد أو الحكومات والأنظمة مدّعية أنها جاءت لمكافحة الانحراف عن نظام وأهداف ومقاصد الحكم الإسلامي الذي أرساه نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وتمنح أنظمتها المتطرّفة شرعية التغيير عبر القوّة المسلّحة والعنف والفكر الثوري الذي لا يقف عند أي حدود أخلاقية أو دينية أو حتى إنسانية، والتاريخ الدموي المقيت لتلك الجماعات في العالم الإسلامي على امتداده شاهد على هذا التخبّط والتسييس للدين وفق براغماتية نفعية صارخة. ومن المهم أيضاً كدرس مستفاد من هذه العملية -استهداف مقر مباحث الزلفي- هذه الخلايا الإرهابية التي تسعى لاستثمار التقنية والإنترنت لاختراق الأسر والأفراد كجزء من عملية الدعوة والاستقطاب تحت ذرائع إيمانية وسلوكية وغيرها مستفيدة من ضحالة فكر المغرر بهم وغياب التوجيه الأسري للغالبية وعدم تحصينهم بالوعي والسلوكيات القويمة فضلاً عن تعزيز الجانب الهويّاتي؛ على اعتبار أن الهوية وحدة جوهرية مهمة تمنح الفرد اعتزازاً وقيمة بذاته وبموطنه وتحقيق تماسكه المجتمعي العلائقي الذي يعكس تعاضد أبناء الوطن وتساندهم بفعل روابطهم القوية المشتركة من دين وثقافة وقيم؛ فدرجة التماسك -كما يشير أميل دوركهايم- تعتمد على طبيعة الجماعات والمنظمات والمجتمعات، ما يؤثّر بعداً، وبشكل قوي، في استمرارية وبناء الجماعة وسلوكات الأفراد.