لا أتذكر كم كان عمري حين بدأت القراءة، أتذكر فقط أنني عرفت نفسي وأنا أقرأ، كتب المجموعة الخضراء، بألوانها وحكاياتها، وكتب أخرى أصغر حجماً وتحمل الأسماء نفسها، هذه البداية، من الذي أحضر الكتب ولماذا كان مهماً لوالدي أن تكون موجودة. أعتقد أنها كانت المتعارف عليه، الأطفال لا بد أن يكون لديهم كتب توسع الخيال.

قرأت في سنيني الأولى ثلاثة كتب سيرة مختصرة، كانت عن غاندي وماري كوري وبيتهوفن. كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري، أتذكر جيداً كيف أثرت في تلك الكتب، أتذكر جملاً أثرت في بشكل خاص.

في اليوم الأخير الذي يسبق إجازة نهاية العام الدراسي في السنة السادسة ابتدائي، نصحتنا معلمتنا منيرة العيدي، هذا الاسم الذي لن أنساه طوال حياتي لأنها كانت المعلمة الأجمل بالنسبة لي، نصحتنا بقراءة كتاب ماجدولين للمنفلوطي. هكذا كانت نصائح المعلمات، القراءة.

الكتب دائماً حولي، الفضل في ذلك يعود لأخي الأكبر، عبد المجيد، المولع بالقراءة والذي نقل لي هذا الولع. بفضل أخي قرأت كل الكتب التي كان يقرؤها المهتمون بالقراءة في ذلك الزمن، نجيب محفوظ، إحسان عبدالقدوس، محمد عبدالحليم عبدالله. عبدالحميد جودة السحار والأدب العالمي، الأخوات برونتي، أرنست هيمنجواي. فيكتور هيجو وتشارلز ديكنز. كان أخي يوصي أصدقاءه بشراء الكتب له من الخارج. أتذكره وهو يحمل حقيبة كبيرة مليئة بالكتب التي اشتراها له أحد أصدقائه من القاهرة، أتذكر تجمعنا حول الحقيبة ولهفة أخي وهو يفرغ الحقيبة وينظر إلى الكتب يقرأ عناوينها ويحصيها.

أتذكر بشكل غائم مرافقتي لأمي في سوق البلد تشتري أغراضاً مختلفة وأهمها الكلف والأقمشة للخياطة، توقفنا عند مكتبة، واخترت كتاباً، كان أول كتاب أشتريه بنفسي، ديوان شعر لطاهر زمخشري. صدمت أمي بسعره، لكنها دفعت المبلغ. كان المبلغ كبيراً، ولا أعلم لماذا لم ترفض شراءه. لكن أمي أيضاً تحب القراءة، هي التي أخبرتني أن أمين معلوف الروائي كان صحفياً يكتب في جريدة النهار في الستينات، ولم أكن أعرف لكنها تذكرت الاسم حين كنا أتحدث مرة عن رواياته.

كتب تهامة أيضاً شكلت جزءاً من وعيي القرائي. تعرفت من خلال إصداراتها على العديد من الكتاب السعوديين، صاروا متاحين لنا ليس فقط من خلال الجرائد والمجلات بل من خلال كتبهم.

لم تكن الصحف والمجلات تمثل لنا الكثير، بيتنا كان يحب قراءة الكتب، ربما مجلات الأطفال المعتمدة على الرسوم المتحركة، أو مجلدات سمير.

سيرة الكتاب طويلة وجميلة ولا أتعب من تكرارها، هناك الكثير من لقطات الذاكرة التي لم أذكرها هنا، ربما في مرة قادمة، كل عام والكتاب بخير.