كثيرة التقلُّب والتلوّن، فيومٌ لك ويومٌ عليك، فلا يأمن ذو نعمةٍ فيها من استلاب نعمته بين عشيّةٍ وضُحاها، فكم فيها من صحيحٍ سَقِم، وقويٍّ ضَعُف، وذي مرتبةٍ تضعضع، ومتقدمٍ تأخر، وليس من المعتاد أن تبقى هذه المكتسبات المرموقة بلا صيانةٍ لها

يُخيل إلى الإنسان الذي كتب عليه ضيق ذات اليد وشظف المعيشة، أو الزمانة في الجسد، أو من حرم نعمة الذرية أن الذين وُسِّعَ عليهم في الرزق ومُتِّعوا بصحةٍ جيدةٍ، ورُزِقوا النسل كانوا في مأمنٍ من مقاساة الهمّ، وفي مَنجاةٍ من الغمّ، لكنّ ذلك وهمٌ كبيرٌ، فالواقع أن طبيعة حياة الدنيا عدم الصفاء من المكدّرات، وعدم الخلو من المنغّصات، والله تعالى يقول: (لقد خلقنا الإنسان في كبد)، والكبد: المعاناة والشدة، فحياة الإنسان في هذه الدنيا لا تخلو من الشدائد، والضيق، والمعاناة، حيث هموم الحياة المتعددة، وآلامها المتنوعة، النفسية منها والجسدية، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تتسم الدنيا بسمات تفرز هذه المصاعب ومنها:

أولاً: أنها مجبولةٌ على الكدر، ولله در القائل:

ومُكلِّفُ الأيام ضدّ طباعها

مُتطلِّبٌ في الماء جذوة نارِ

جُبِلت على كدرٍ وأنت تريدها

صفوًا من الأقذاء والأكدارِ

وإذا رجوت المستحيل فإنما

تبنى الرجاء على شفيرٍ هارِ

وهذا من لوازم مباينة صفات الدنيا لصفات الجنة، فإن الجنة خالية من جميع المنغصات جملةً وتفصيلاً، وليس لدارٍ غيرها أن تتصف بهذه الصفة.

ثانياً: لا يسلم من المشاقّ الدنيوية أحدٌ، وأكرم الناس على الله الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد كانوا يُكابدون فيها كثيراً من النّصب، منها ما ينالهم من أعداء دعوة التوحيد من التضييق والأذى القولي والبدني، كما هو معلومٌ من سيرهم، ومنها ما ينالهم مما هو مُشتركٌ بين البشرية من الأعراض التي تعرض للإنسان في حياته، بل إنهم ينالهم من هذا ما لا ينال غيرهم، وقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ، كما جاء في صحيح البخاري.

ثالثاً: كثيرة التقلُّب والتلوّن، فيومٌ لك ويومٌ عليك، فلا يأمن ذو نعمةٍ فيها من استلاب نعمته بين عشيّةٍ وضُحاها، فكم فيها من صحيحٍ سَقِم، وقويٍّ ضَعُف، وذي مرتبةٍ تضعضع، ومتقدمٍ تأخر، وليس من المعتاد أن تبقى هذه المكتسبات المرموقة بلا صيانةٍ لها، وسهرٍ عليها بشكلٍ مُضْنٍ وشاقٍّ، فلو أهمل الثّريُّ ماله وانصرف عن تدبيره وتثميره لاضمحل، ولو تهاون الـمُمتّع بالصحة بأسباب حفظ الصحة لَـمَرِض، وهكذا، فإما أن يبقى مُشمّراً على ساعد الكدّ، وإما أن تنمحق مواهبه، فتحُلُّ به نكباتٌ تنسيه ما سبقها من أوقات السعادة التي تمرُّ كاللحظات، لا يشعر متذوِّقُ حلاوتها بمرورها، وقد بكى عمر بن عبدالعزيز رحمه الله يوماً بين أصحابه فسُئِل عن ذلك فقال: فكّرت في الدّنيا ولذّاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتّى تكدّرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرةٌ لمن اعتبر، إنّ فيها مواعظ لمن ادّكر.

رابعاً: لا يخلو فيها المرء من خوفٍ على المستقبل، ومن كان أكثر مواهب كان أولى بهذا القلق؛ لأن المصالح كلما كثرت كانت عرضةً لحدوث الآفات، وشَغَلَ مآلُها تفكيرَ أربابها، كما أنها لا تخلو من الحسرة على الماضي، فما من أحدٍ إلا وله تجارب في الحياة يتحسّرُ لو تصرّف فيها عكس ما فعل، إما في علاقاته، أو تعاملاته، أو قراراته المصيرية، لكن رغم ما تقدم من متاعب الحياة الدنيا إلا أن الله تعالى جعل للمؤمن في ذلك مخارج ليست لغيره، وبها يتوقّفُ ما ناله من بلاء الدنيا على كونه مشاقَّ بدنية ومادية، ولا يصل إلى درجة أن يكون له عذاباً نفسياً؛ لأنّ مصدر سعادته هو علاقته بربه، وما يخالط قلبَه من بشاشة الإيمان التي لا تعادلها لذة، وهناك أسباب كثيرة تُهَوِّن مشقة الحياة على المؤمن منها:

1 - أسباب السعادة الكثيرة التي وُهبت له، فإنه إذا ذكر الله تعالى نال طمأنينة القلب (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وإذا قام إلى صلاته يناجي ربه نال راحةً من هموم الدنيا، فعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، صَلَّى». والقرآن ربيع القلوب، ونور الصدور، وجلاء الأحزان.

2 - أنه يؤمن بأن المصائب التي تناله كفارة، ورفعة له، ويحتسبها في ميزان حسناته، ويعلم أنه عُوفي من كثيرٍ من البلاء فيشغله شكر المعافاة منه عن التضجّر مما ناله، ويتسلّى بما ابتلي به الأخيار من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين في سائر العصور، ويقتدي بهم في صبرهم على ذلك، فيجد الأسوة الحسنة التي لا محيد عنها.