في مقدمته عن الجراد ومشاهدته للحشرة التي قال إنها تؤكل في جميع بلدان العرب من المغرب إلى المشرق، يبدأ المستكشف الألماني كارستن نيبور «وصف أقاليم الجزيرة العربية» عام 1762م بالتحدث عن أساليب التصدي لأضرار أسراب الجراد، التي تحط بشراسة وشراهة لتفتك بمرابعهم وحقولهم، فذكر استعانتهم خصوصا عرب الشمال بحشرة يطلق عليها في إيطاليا وبعض المناطق الفرنسية (عبّادة الله)، ولم يسمع بهذا الاسم عند العرب، وربما يقصد بتلك الحشرة ما يسمى «السرعوف» ولها عديد من الأسماء – السرعوف – الراهبة – جمل اليهود – ويطلق عليها اليهود جمل سليمان، التي قال إنها إحدى الحشرات القوية التي تفتك بالجراد، ويهرب منها بمجرد رؤيتها، وسأل أحد المحمدين على حد قوله، وهو أحد تجار مكة عما إذا كانت هذه الحشرة تدلهم كما يقال على طريق مكة عندما تبسط ذراعيها وإذا ما كانوا يعتبرونها مقدسة، فأجابه أنه لم يسمع بها في الحجاز ونجد – هذه الحشرة أصبحت تستزرع وتنتج بكميات كبيرة وتباع بالوزن يشتريها المزارعون للتصدي للجراد وبعض الآفات الحشرية.

ونقل له في الموصل وحلب كثيرا عن آكل الجراد وهو طائر اسمه السمرمغ «السمرمر» أحد فصائل الزرزوريات يطير بأسراب هائلة كالأمواج وتحجب السماء أحيانا مثل الغمام. ويلتهم الجراد بشراهة وأحيانا يفتك بالمحاصيل الزراعية، وقد وصفه باللون الأسود كما له عدة ألوان، وأكد له العرب أنه يقضي يوميا على أعداد هائلة من الجراد لكنهم ادعوا أن الجراد أيضا يدافع عن نفسه أحيانا بشراسة فيلتهمه بريشه حين تتكاثر عليه. وحين يلتقط أطفال المدن المحاذية لشبه الجزيرة العربية جرادة حية يضعونها أمامهم ويصرخون عند رأسها سمرمغ فتنتحي خوفا من الصوت أو من حركة الولد، أو تتمسك أكثر بمكانها، ما دفعهم إلى الاعتقاد أنها تخشى اسم عدوها السمرمغ وأنها تختبئ وأنها تسعى إلى رجمه بالحجارة، ويبين أن الموصل وحلب ليستا موطنا لهذا الطائر الأصلي، بل إنه يحمل من خراسان باحتفال عظيم، فحين يتكاثر الجراد يرسل الوالي رجالا مخلصين وصادقين إلى نبع قرب قرية سامرون الواقعة في سهل تحيط به أربعة جبال في المقاطعة المذكورة أعلاه، ويملأ الرسل خزانا من هذا الماء وفق طقوس معينة ثم يقفلونه بإحكام حتى لا يتبخر أو ينسكب في طريق العودة، وينبغي أن يبقى هذا الخزان من النبع حتى المدينة، التي يرسل لها ما بين السماء والأرض، ومن دون أن يصل إلى الأرض أو يوضح تحت سقف كي لا تفقد هذه المياه قدرتها، وبما أن الموصل محاطة بالأسوار لا يمكن للخزان أن يمر تحت باب المدينة، فيرفع فوق السور وينقل إلى سطح مسجد النبي جرجس، وقد نال هذا الصرح الذي كان فيما مضى كنيسة شرف حمل هذا الخزان منذ زمن بعيد، وتم تفضيله على أبنية المدينة كلها. ويظن المحمديون والمسيحيون وأيضا اليهود من عامة الشعب بحسب وصفه أن السمرمغ يلحق بهذه المياه، إذا ما نقلت بالطريقة الصحيحة من خراسان ويبقى في البلاد حتى تجف المياه نهائيا من خزان النبي جرجس. ورأى يوما كما يقول عش لقلق كبير على هذا الخزان، فأعرب لأحد المسيحيين من أعيان المدينة عن إعجابه بحاسة الشم القوية عند السمرمغ، الذي يشتم المياه رغم هذه القذارة!. فلم يجبه ولكنه أعرب عن غضبه على الحكومة التي سمحت لطائر اللقلق ببناء عشه على هذا الكنز النادر. وازداد غضبه لأن الوالي لم يأت بمياه جديدة من خراسان منذ تسعة أعوام. وادعى له الناس هناك أنهم لاحظوا أن الجراد في محيط الموصل لا يتسبب في أضرار في سنته الأولى، بل يختبي تحت الأرض ليتكاثر خلال السنوات التالية، ولعلهم يقصدون الدباء أي صغار الجراد – فحين تتكاثر هذه الحشرات يضطر الباشا إلى جلب المياه من خراسان لاستدعاء السمرمغ، وإلا اعتبره الشعب سبب ما يطول مراعيهم وحقولهم من أضرار. مع كل هذا فيرى نيبور أن الطائر الذي يعتبر الجراد طعامه المفضل وعنده غريزة قتله حتى لو لم يأكله، فإنه حتما سيأتي للبحث عنه بنفسه من دون أن يتكبد أسياد المنطقة عناء جلب المياه من هذا المكان البعيد، وحكى له آخرون عن خزان في قلعة حلب لاجتذاب السمرمغ إلى هذه المدينة، وتحدث إلى أناس رأوه بالفعل، لكنهم ذكروا أنه تم فيه تجديد مياه خراسان.

طائر الزرزور «السمرمغ»
أسراب طائر الزرزور السمرمغ كالأمواج