استكمالاً لمقال الأسبوع الماضي وحتى نخرج من دائرة التعليل المعلّبة والجاهزة، أن كل شيء هو بسبب الفساد المالي والإداري. ليس نفياً أن الفساد بمختلف أشكاله إشكالية تعاني منها كافة دول العالم وعليه تحاول مكافحته والقضاء عليه. لكن ما دامت مشكلة تأخر المشروعات الضخمة وزيادة تكاليفها تعاني منها دول متقدمة وفي مجتمعات مختلفة، فبحثها بشكل علمي يستحق الوقت والجهد.

والمشروعات الضخمة مشروعات بطبيعتها تأخذ وقتاً أطول بالتنفيذ يمتد لسنوات وهو ما يجعلها عُرضة للمتغيرات الخارجة عن المألوف مثل الوضع الاقتصادي العالمي والحروب وغيرها. ويمكن تلخيص أهم الأسباب في تأخر وزيادة التكاليف لهذه المشروعات: 1- التعديلات على المشروع أثناء التنفيذ. 2- التغير في أسعار المواد الخام. 3- التغير في سوق الأيدي العاملة. 4- تذبذب أسعار صرف العملة في حالة المشروعات الدولية. 5- مستوى التضخم (وهو مرتبط بالحالة الاقتصادية للبلد أثناء تنفيذ المشروع). 6- بطء إجراءات الحصول على الموافقات الرسمية خلال التنفيذ. 7- الأحوال الجوية وطبيعة البيئة في أرض المشروع إضافة للممانعة الشعبية أثناء تنفيذ بعض أجزاء المشروع. 8- تأخر إجراءات التمويل والدفع للمقاولين. 9- كفاءة المقاول مالياً وفنياً.

كل ما سبق ليس وجهة نظر وإنما نتاج أوراق علمية تم نشرها في مجلات علمية، فمثلاً مشروع قطار كوريا الجنوبية نُشرت ورقة علمية ذكرت أن المشروع عانى في بعض أجزائه من ممانعة شعبية إما لأسباب بيئية أو غيرها، كما عانى من التعديلات على المشروع (والتعديلات هنا لا تعني بسبب سوء تنفيذها وإنما بسبب تغير الحاجة لها مثلا بافتتاح محطة قطار جديدة أو إغلاق أخرى أو حتى تغيير موقع المحطة خلال تنفيذ المشروع).

وبسبب الترابط الاقتصادي العالمي أصبحت مسألة أسعار المواد الخام وتغيير أسعارها والأيدي العاملة الرخيصة عوامل مُتعبة للمشروعات الضخمة، ولأن الاعتماد على الأيدي العاملة ما زال كبيراً فمسألة إضراب العمال عن العمل والمطالبة بزيادة أجورهم وتعديل أو إيقاف العمل بالاتفاقيات الموقعة بين الدّول المصدّرة للأيدي العاملة والدول المستقبله لهم، أو حتى التغير في سوق العمل بإصدار قوانين جديدة مثل ما حدث في السعودية خلال السنوات الأخيرة من حملة التصحيح للمخالفين لنظام الإقامة والعمل وتغير أسعار الرخص والرسوم كلها عوامل جوهرية لا يُمكن التنبؤ بها بشكل دقيق.

البروفسور Bent Flyvbjerg من جامعة أكسفورد نشر ما يفوق عشر أوراق علمية عن هذا الموضوع أنصح بقراءتها للمهتم، أحدها كان تحليل 258 مشروعاً للنقل حول العالم في 20 دولة وتوصل لعدة نتائج سأذكر اثنتين منها أن 9 من 10 مشروعات للنقل تتجاوز التكلفة المتفق عليها، أن مشكلة زيادة تكاليف المشروعات لم تقل خلال 70 سنة الماضية، وهو ما يعني أن مسألة التعلم من أخطاء الماضي شبه معدومة.