سادت خلال الأسبوعين الماضيين بأوساط الصناعة النفطية العالمية التنبؤات المتباينة عن أدوار عدّة مؤثرين في أسواق النفط خلال الأشهر القليلة المقبلة ومسار الأسواق حينذاك، في الوقت الذي مرت به أسعار النفط خلال الأسبوع الماضي بحالة استقرار تميل في غالبها إلى الصعود لمستويات قياسية جديدة لامست الـ 72 دولاراً لخام الإشارة برنت، لذا فقد كانت العوامل النفسية رافداً ملحوظاً للعوامل المؤثرة في الأسواق، غيرَ أن العوامل الأساسية للأسواق كانت وما زالت صاحبة اليد الطولى في التحكّم بتوجهات الأسواق وأدائها، لذا فقد كانت أسعار النفط (خام الإشارة برنت) الأكثر تفاعلاً مع العوامل الأساسية للأسواق منذ مطلع يناير الماضي ضمن وتيرة تصاعدية متوسطة السرعة غلب عليها الاستقرار وبأقل حالات تذبذب يمكن رصدها لأسواق النفط، فأعلى حالة تذبذب سعرية سجلتها الأسواق كانت ضمن تداولات الأسبوع الثاني من فبراير الماضي بفارق سعري بلغ خمسة دولارات فقط وكانت في مجملها من صالح عوامل دعم الأسواق وليس العوامل العكسية الأخرى التي شكلت ضغطاً بين الفينة والأخرى في الحد من مكاسب تداولات الأسعار النفطية، عله فقد شكّلت العوامل النفسية (المخاوف) عامل تأثير في الحد من مكاسب الأسعار خلال الفترة الماضية، بالإضافة إلى ما سبق ذكره فإن بعض العوامل (غير الأساسية) التي كانت تشكّل دوراً واضحاً في التأثير على الأسواق النفطية خلال الأشهر الماضية قد خفّت حدّتها، بمعنى آخر تراجع مستوى تأثيرها على الأسواق مقارنة ببداية الربع الأول ومنتصفه كتغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كما أن حجم الفوائض النفطية بالأسواق تراجع تأثيرها بشكل كبير نتيجة الجهود التي تقوم بها OPEC+ في خفض المعروض النفطي بالأسواق العالمية.

من الملاحظ أن غالبية التنبؤات التي تعجّ بها أسواق النفط من قبل الخبراء والمحللين شرقاً وغرباً تركن بشكل أساسي ومهم على تحرّكات OPEC، وإلا "فمن سيعلم" إلى أين ستذهب أسواق النفط تحت نير هذه العوامل المتلاطمة سلباً وإيجاباً، فالدور الذي تمثّله OPEC هو تخفيف حدّة هذه الاضطرابات التي تطرأ على الأسواق، وبمعنى يمكن إيضاحه بشكل أكبر دورها هو تصحيح أخطاء الآخرين، فقطعاً لا مزايدة على دورها المتأصل في الحفاظ على صحّة الأسواق النفطية من الاعتلال، سواء أكان ذلك لقرار اقتصادي نتيجة تصرّفات سياسية غير مقبولة جملةً وتفصيلاً أو تعويض إمدادات نفطية مفقودة لاحتياج الاقتصاد العالمي نتيجة اضطرابات سياسية في بلدان لم تستطع الوفاء بالتزام الإنتاج النفطي الذي تقوم به، كذلك دور الإنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة الأميركية كان عاملاً مهماً في التأثير على مسار الأسواق، فعلى الرغم من أهمية وجوده جنباً إلى جنب والمنتجين من بقية الدول للوفاء بالطلب العالمي على النفط، إلا أنه كان بالإمكان استغلال هذا المورد بشكل اقتصادي أعمّ وأشمل؛ لعدم القناعة باستمرارية هذا الدور بنفس التأثير على المدى الطويل على الرغم من أهمية وجوده بالأسواق، لذلك هذه هي الأبعاد الاقتصادية البحتة لمنظمة OPEC في أسواق النفط للأطراف التي وجدت قصوراً (أو أوجدته) في قراءة الأسواق بشكل أعمّ وأشمل.

المسارات السعرية المتوقعة للفترة المقبلة استمرارية وتيرة التصاعد البطيئة والثابتة لأسعار النفط بشكل يغلب عله الاستقرار في معظم الأحيان بالربع الثاني الجاري، وذلك إلى قبيل نهاية النصف الأول من العام الجاري 2019م، لتكون بعدها أسواق النفط أكثر حساسية لأي عوامل جديدة قد تطرأ، لا سيمّا ما يصدر من قبل أعضاء اتفاق الخفض النفطي OPEC+، كما أنه من غير المستبعد أن يلامس خام الإشارة برنت مستوى الـ 80 دولاراً أو دون ذلك (لنهاية النصف الجاري من العام) كما أن السيناريوهات المقاربة لذلك واردة وغير مستبعدة ؛ لأسباب عدّة من أهمها استمرار الأسواق النفطية بنفس العوامل المؤثرة فيها منذ بداية الربع الثاني، ولا اختلافات جوهرية في الأفق المنظور يرافقه تعاظم بطيء إلى حدّ ما لشحّ الإمدادات النفطية يزيد من دورها وإبرازها إلى السطح بطبيعة الحال المخاوف من ذلك بأوساط الصناعة النفطية وهو العامل الأبرز للمسار التصاعدي البطيء للأسعار النفطية خلال الفترة القادمة، كما أنه من المتوقع أن يكون لمنظمة OPEC وأهم أعضائها كالمملكة العربية السعودية وروسيا كأهم عضو في الاتفاق من خارج المنظمة دور في التأكيدات على أهمية التمشي بمعطيات الأسواق النفطية وأنه من المبكّر جداً الحديث عن أية بوادر لقرارات يمكن اتخاذها بشأن سياسية الإنتاج لنهاية اجتماع لجنة المراقبة الوزارية في شهر مايو المقبل بمدينة جدّة السعودية، الذي سيساعد من خلال التسريبات الواردة والتنبؤات على بناء التصورات فيما يخصّ الأسواق النفطية خلال النصف الثاني من العام وبالأخص الربع الثالث المقبل الذي يعدّ حالياً الأصعب قراءة تجاه معطيات الأسواق حينذاك.