يغفل كثيرون عن قلوبهم، ويظنون أنها ليست بحاجة تعاهد، ويهتمون بنظافة أجسادهم، وبواطنهم مليئة بقمائم الأخلاق، ويعطرون ملابسهم، ودواخلهم نتنة الرائحة، من جيف المسلمين! فمداواة القلوب أهم وأوجب من تعاهد الجوارح..

ينصب اهتمامنا في العادة على ظاهر الإثم، فنحذر من الزنا والسرقة وشرب المسكر وغير ذلك مما تستقبحه كل نفس أبيّة، ويبتعد عنه كل ذي روح زكية.

بيد أنا كثيرا ما نهمل عمدا أو سهوا باطن الإثم الذي ينخر في القلب حتى يعلوه الران، ويكسوه بما تشيب لهوله الولدان، وتعيش في مستنقعه الديدان.

ولعل منصفا يمر على بعض مواقع التواصل الاجتماعي ليرى ما تفيض به من السباب والشتائم، والتحريض وتتبع العورات، وإثارة النعرات. وما لا يمكن تصوره أن تصدر هذه الأخلاق المشينة عن قلب سليم، أو نفس مطمئنة، بله أن تكون من لسان داعية، أو مقتد بنبي الرحمة، ونبراس الأخلاق السامية، الذي امتدحه مولاه بقوله: «وإنك لعلى خلق عظيم».

كل منا يعلم أنه سيمر به يوم «لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم».

والقلب السليم هو الذي لا يتعلق به شك ولا شرك، ولا يغشاه حسد، ولا حقد، سلم من العداوة والبغضاء، يحب للناس الخير، ويتمنى لهم السعادة، ويترجم لسانه ما امتلأ به من الود والحب للمؤمنين، فيدعو لهم، وينصح ويذكر، يعلم الجاهل، ويأخذ بيد الضعيف، ويعين ذا الحاجة.

كم نحن بحاجة ملحة لتفقد قلوبنا، ومداواة ما بها من أسقام، ونحن نسأل الله أن يبلغنا رمضان، ونستعد لاستقباله بشتى أنواع الشراب والطعام!

كم نحن بحاجة ملحة إلى أن نغسل قلوبنا من حوباتها، ونصفي كدرها، حتى لا تحمل على المسلمين ضغينة، ولا تسود من شدة الكره حتى للعصاة، فيصفو نهرها ليعذر العاصين ويأخذ بيده إلى الله، لا يفرح بسقطته، ويتألم لزلته.

من مداواة القلوب أن نعيد إعداداتها، ونحدث معلوماتها، ونزن تأثرها بين فينة وأخرى حتى لا تنخدع من عدوها اللدود إبليس اللعين، فيصور لها أن إساءتها للمسلم دعوة، ونيلها من عرضه غيرة، وغيبته وأكله لحمه ميتا للدين نصرة، وللأمة عزة!

ولنبين لقلوبنا أنها تكذب على نفسها إذا استشاطت غضبا على أحد بحجة مخافته لأمر الله، ورسوله، بينما ترى من تحب غارقا فيما هو أشد منه وأنكى، فتتغافل، وتتجاهل، وتلين القول، وتتأنى عليه، فلو كانت صادقة الإحساس، وأن ما حرك غيرتها هو النصرة لله ولرسوله لتساوت ردة الفعل عندها مع الحبيب والغريب!

كثير من الغيورين لا تظهر غيرته إلا مع من يبغض، وتنكمش موجات الغضب وتجزر مع المحبوب، فتراه يشتد إنكاره على مدخن، أو مسبل، أو حليق، وهو يرى أباه أو أخاه أو ابنه أو صديقه العزيز متلبسا بكل ما اشتد نكيره عليه، فإذا هو أكيله وجليسه!

فمن تلبيس إبليس أن يوهمه أن إنكاره ذاك كان غيرة وحمية دينية، ولو تأمل لعلم أنه نزغة شيطانية، ألبسها الشيطان لباس شرع حتى لا تنفر منه نفسه، ويغفل عنها قلبه، فلا يتنبه إلا وقد علاه الران.

ويغفل كثيرون عن قلوبهم، ويظنون أنها ليست بحاجة تعاهد، ويهتمون بنظافة أجسادهم، وبواطنهم مليئة بقمائم الأخلاق، ويعطرون ملابسهم، ودواخلهم نتنة الرائحة، من جيف المسلمين!

فمداواة القلوب أهم وأوجب من تعاهد الجوارح، فإن النبي صلى الله عليه وآله قال: ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله: التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره (ثلاث مرات) وفيه: إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأشار بأصابعه إلى صدره.

وهذا القول منه صلى الله عليه وآله جاء بعد نهيه عن الحسد وغيره في قوله: لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا. وإخباره بأن المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله. وأخبر أيضا في الحديث نفسه فقال: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم.

وكل ما ذكر في هذا الحديث من أمراض القلوب، التي يحرص المريد النجاة إلى أن يطهر قلبه منها، ويداويها إن وجدت بأنجع الأدوية وأشفاها، ألا وهو كتاب الله، وتلاوة آياته، وصبر النفس مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، يريدون وجهه. هذا، والله من وراء القصد.