إن فكرة "التراث الموازي" لا تركز على التراث كمنتج بل تحاول أن تفهم "الأفعال" التي أنتجته ولماذا حدثت ومن أسهم في حدوثها، ومن ثم التعامل مع الأفعال المعاصرة والمستقبلية بصورة عقلانية تمكننا من تحويل "المعقول إلى محسوس" باستخدام أدوات معاصرة مع الإبقاء على منابع "المعقول" الثابتة..

احتفل العالم يوم الخميس الفائت 18 أبريل بيوم التراث العالمي، ولعل حريق "نوتردام" في باريس قد خيم على احتفالات هذا العام كون "كاتدرائية نوتردام" أحد رموز التراث العالمي. بصرف النظر عن الحريق وعن الاحتفاء بالتراث يذكرنا هذا اليوم بالأسئلة المهمة، خصوصاً نحن العرب، المرتبطة بمأزق التراث الذي نعيشه الذي يجعل العقل العربي محبوساً في الماضي. يذكر محمد عابد الجابري في كثير من أطروحاته أن العرب لم "يتجاوزا" التراث لأنهم في الأصل لم يستطيعوا إحضاره، أي فهمه واستيعابه والسيطرة على منابعه وأسباب وجوده. وعندما نقول "تجاوز" ليس المقصود به التخلي عن التراث أو نبذه وركنه في ركن مظلم بل تحويله من عنصر مهيمن على عقولنا إلى عنصر محفز ودافع للتفكير. أي أنه يفترض أن العقل العربي يوجه التراث لا أن يوجهه التراث. ولعل هذا هو بيت القصيد لأن الإشكالية هي أن الماضي يحاصرنا ومع ذلك لم نستطع فهم هذا الماضي وما أنتجه فهماً عميقاً وكاملاً.

كنت أتحدث مع أحد الشباب وقلت له: إن التراث يشكل هاجساً يخنق العقل العربي، فرد علي بقوله: ربما هذا ينطبق على جيلكم ولكن الجيل المعاصر يستجيب للعولمة، وتوجهه وسائل التواصل الاجتماعي، أما "التراث" فليس له تأثير على عقله. والحقيقة أن هذا الرد استوقفني، فهل ما ذكره هذا الشاب حقيقة وأن الجيل العربي المعاصر أعطى ظهره للتراث دون أن يفهمه هو، ولا من سبقه، أم أن هذا التنصل هو مجرد حالة مؤقتة وأنه عند الامتحان الفكري الحقيقي يخرج التراث بقوة في المشهد ويوجه العقل ويهمن عليه؟

في الحقيقة إن المأزق الأساسي الذي يجعل من التراث حاضراً في العقل حتى لو في الظل هو لأنه يوجه فعل التحول من "المعقول إلى المحسوس" أي أنه في كل مرة نريد تحويل الفكرة المجردة إلى شيء يمكن الإحساس به يظهر التراث بشكل واعٍ أو غير واعٍ ليوجه هذا الفعل ويصنع حدود الإبداع والابتكار فيه. هذه العملية هي التي تحدد ملامح الثقافة أو هي التي تنتج المنتجات الحسية لثقافة ما، لأن التراث يظل في العقل الباطن يمثل ما هو مشترك بين الناس الذين ينتجون ثقافة ما.

أي فعل يجب أن يحدث في مكان ما وفي وقت محدد، وأي استحضار لفعل سابق إلى مكان ووقت مختلفين يقتضي تكييف ذلك الفعل كي يناسب المكان الجديد والوقت المتجدد أصلاً. هذا ينطبق على أي فعل حدث في الماضي، ونتج عنه منتجات فكرية أو مادية، فهذه المنتجات قد تكون صالحة للمكان والزمن التي أنتجت فيهما ولهما، لكنها تحتاج إلى تكييف وتطوير دائم كلما انتقلت بين الأمكنة وسافرت عبر الزمن. هذا يعني بشكل أو بآخر أن تجميد التراث وتسكينه ونقله عبر الأمكنة والأزمنة واعتباره أنه منتج لا يمس هو نوع صارخ من تجميد العقل وتسكينه يؤدي مع الوقت إلى السكون والخمول الحضاري، ولعل هذا ما حدث للعقل العربي.

في يوم التراث العالمي عدت لأطرح فكرة أثرتها خلال الأعوام الأخيرة وأسميتها "التراث الموازي"، ولعلي أبسط الفكرة هنا وأقول: إنها منهجية علمية أبستيمولوجية لنقد أصول التراث ومسببات وجوده وفهم الأفعال التي حدثت في أمكنة وأزمنة مختلفة ومتعددة وساهمت في صنع مكون التراث العربي/الإسلامي، ومن ثم تجاوز هذا التراث إلى المستقبل دون أن ننبذه أو نخسره. يجب أن ألفت الانتباه إلى أن فكرة "التراث الموازي" لا تركز على التراث كمنتج بل تحاول أن تفهم "الأفعال" التي أنتجته ولماذا حدثت ومن أسهم في حدوثها، ومن ثم التعامل مع الأفعال المعاصرة والمستقبلية بصورة عقلانية تمكننا من تحويل "المعقول إلى محسوس" باستخدام أدوات معاصرة مع الإبقاء على منابع "المعقول" الثابتة. مازلت أرى أن "مأزق" التراث مهيمناً على العقل العربي حتى لو أن الشاب الذي تحاورت معه يرى غير ذلك، ولكن كما ذكرت العبرة في المنتج والفعل الحضاري، وهو ما لم نر له شواهد بعد.