يبدو أن جولة المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة والصين تسير نحو تخفيف الولايات المتحدة مطالبها المتعلقة بدعم الصين لصناعتها. في المقابل، فإن موقفها بالنسبة لشروط نقل الصين للتكنولوجيا وتحسين حماية الملكية الفكرية وتوسيع نطاق الوصول إلى الأسواق الصينية سوف تتشدد.

من ناحية أخرى، فإن الصين تحضر لعقد المؤتمر الثاني لمبادرة الحزام والطريق، وهذا يعني في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة أن الصين لا تقف وحدها، فمنذ طرح المبادرة قبل 6 سنوات، وقعت 123 دولة و29 منظمة دولية على اتفاقيات تعاون للتطوير المشترك للمبادرة، وضمن هذا التوازن الذي تحاول أن تعزز به الصين موقفها أمام المفاوض الأميركي جاءت أيضاً زيارة الرئيس الصيني إلى أوروبا، فهذه الزيارة هي الأخرى قد عززت موقف الصين بعد تدافع القادة الأوروبيون لإرضاء الرئيس الصيني، بما فيهم ميركل، التي تعتبر نفسهما الآمر الناهي في أوروبا. 

ومن دون شك، فإن الموقف الأميركي في المفاوضات مع الصين قوي، بحكم موقع الولايات المتحدة ومكانتها في النظام العالمي وكذلك حجم اقتصادها، الذي وإن ضعف، فهو لا يزال الأكبر في العالم، ولكن هذا وحده لا يكفي، فالولايات المتحدة، منذ انتهاء الحرب الباردة وإلى الأمس القريب، عودتنا في الأوقات الصعبة على تشكيل تحالفات، هذا هو ما لاحظناه أثناء الحرب في يوغسلافيا والعراق وليبيا، وكذلك عند فرض العقوبات على إيران وروسيا، بل إن الصين نفسها فيما مضى كانت عرضة لتوافق الولايات المتحدة مع الأوروبيين لمنع تصدير بعض السلع الحساسة إليها.  

ولكن تبدو الأمور الآن كما لو أن الصين هي التي تحاول أن تقود التحالفات الدولية وتضغط على أوروبا للدخول في تحالف مناهض لأميركا بشأن التجارة، وهذا التوجه يلقى تجاوبا أو بعضه لدى الأوربيين نتيجة التهديدات الأميركية لهم بحرب تجارية. 

 ولذلك فإن الباحثين والمحللين في حيرة، فالولايات المتحدة إما أن تكون قد أصبحت من القوة، بحيث لم تعد، كما كانت في السابق، تحتاج لمساندة أحد، أو أن القدرة المالية الأميركية أصبحت ليست كافية كما كانت في السابق لتغطية تكاليف قيادتها للتحالفات التي تحتاجها. والأخير قد يكون هو الأرجح، والدليل على ذلك هو موقف الولايات المتحدة من حلف الناتو الذي قام على أكتافها منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، فهي حالياً غير مستعدة لتحمل تكاليف وجود هذا الحلف وحدها، ولذلك تطلب من بقية أعضائه أن يدفعوا ما عليهم من التزامات للدفاع عن نفسهم.

وهذا التفسير إذا صح فإن له تبعاته الخطيرة، وعلى رأسها أن العالم بتخلي الولايات المتحدة طوعاً عن قيادتها له سوف يتحول إلى عالم الغاب.