مع الفشل الذريع للفوضى الخلاقة المزعومة وإن دمرت العديد من بلادنا العربية فيما أسموه بالربيع العربي - وهو من وجهة نظري المحدودة الوبال العربي إن صح لنا ذلك - كان الطرق على الجدران الخلفية..

نظرية دنيئة ومحكمة يستخدمها خبثاء وجبناء التاريخ، حيث لا يقوون على المواجهة أو يمنعهم جبنهم وضعفهم أو ما شابه. ولعله قد تبين لنا ما يحاك لأمتنا العربية منذ عشرات السنين ولا يتسع هذا المقام لذكر ذلك، ولكن كان يجب أن نكون على يقظة أكبر وأشمل مما كانت عليه أحوالنا. وقد بدأت بالغزو على العراق لأن له جيشاً عظيماً وله مواقف واضحة من دولة الاحتلال ومن قضية الأقصى وغير ذلك من القضايا سواء كانت فارسية أم غربية، وقد سمعنا الكثير من العامة يقولون أُكلنا حين أُكل الثور الأبيض، وكنا نصم الآذان، ذلك لأننا لا نحب أن نسمع إلا ما نحب سماعه، ومثلما يقول المثل: «مادامت النار في بيت جاري فأنت في حالك وأنا في حالي»! هكذا كانت تجري الأمور بين العامة والخاصة، ونحن على غير دراية بما يخطط لهذا العالم الحر الأبي الشجاع الذي يأبى النيل من أرضه ومن عرضه.

أصيب المؤتمرون بخيبة الأمل، بالرغم مما أصاب العراق من دمار وموت، فالأرض باتت عصية في ظل هذا الشرف العربي الذي له ما له في مدوناتنا وأدبياتنا العربية.

حينها سبق وأن قرأت كتاب «العالم مسطح» للكاتب الأميركي توماس فريدمان كغيري ممن قرؤوه، وهو في حقيقة الأمر يبدو وكأنه يناقش التواصل الرهيب بين ضفتي الكرة الأرضية، لكن بين ثناياه لا يوجد تصور للوطن العربي في خارطته الجديدة ولتصوره للعالم، فهو كما يبدو من وجهة نظره عالم غير صناعي واستهلاكي، بمعنى آخر عالة على العالم! وقد بدا ذلك من خلال التلميح لا التصريح. حينها استشعرت تلك الخطورة الرهيبة على هذا العالم الذي يريد أحد منظريه الكبار - والذي يستقبل استقبال الفاتحين على الأرض العربية - إزاحته من خارطة العالم الجديد.

قد يقول قائل إن هذا رأيه وتلك وجهة نظره، لكننا رأينا تتابع الأحداث ما يحقق حلم هذا الكاتب وإن كانت أضغاث أحلام. حينها قمت بتأليف موسوعة نقد النقد لتتبع كيف يرى الشباب العربي عالمه من خلال تأثير النظريات المطروحة عبر العصور وتسرب الانفعالات إلى ذواتهم في ضوء ما طرحه هذا الكتاب مما نتج عنه ذلك النزوح الزماني لا المكاني لبعض الجيل الجديد. كل هذه المخاوف كانت محل التأمل والحذر فيما نراه من شحذ الهمم لتدمير هذه الأوطان التي وصلت في ذروتها بإصدار خارطة العالم الجديد ونظرية كوندليزا رايس الفوضى الخلاقة. كل هذا ونحن نستشعر أن الآفاق واسعة وأن اللعب إن وجد فهو في ديار الآخرين، هكذا كانت الذهنية العامة في الشارع العربي، بينما نجد أن كل المستجدات تؤكد على تكملة خيوط المخططات وحياكتها بإبرة من ذهب وبنقش على حجارة ملساء لا يستشعرها أحد!

وبناء على ذلك ومع الفشل الذريع للفوضى الخلاقة المزعومة وإن دمرت العديد من بلادنا العربية فيما أسموه بالربيع العربي - وهو من وجهة نظري المحدودة الوبال العربي إن صح لنا ذلك - كان الطرق على الجدران الخلفية؛ فيقول آدم إيرلي وهو أحد رجال الخارجية الأميركية في إحدى مقابلاته التلفزيونية: «أعتقد أن موضوع المنطقة لم ينتهِ.. هناك سورية تتهاوى والربيع العربي لم ينتهِ بعد ويتوقع البعض أن الربيع العربي قد مات.. لا لم يمت انظر الآن إلى الجزائر وفي اعتقادي أنه سيكون هناك ثورات تؤدي إلى الانهيار وإلى الكوارث». ثم يتابع حديثه حتى يقول: «الأمر غير واضح ويسقط في المرحلة الرمادية».

إن حوار هذا الرجل في هذا الوقت الراهن يعكس لنا ذلك القلق وتلك المنطقة الرمادية التي أشار إليها وهي لم تأت من فراغ وإنما أتت من صلب الصلف والفكر الغربي الذي ظن أن الوطن العربي لقمة سائغة سهل مضغها، ولذا اتجهت إلى طرق جديدة وهي الطرق على الجدران الخلفية، وهو ما يحدث من تصدعات نشهدها الآن في الجزائر وفي السودان وفي ليبيا بالإضافة إلى اليمن، بينما نجد تلك الهزات الجديدة في الجدران العربية لم تطفُ مجدداً إلا بعد أن باتت سورية على أبواب النصر واسترجاع الأرض وكذلك العراق. ومن هنا كان العمل على طرق الجدران الخلفية هو الوسيلة الجديدة لعمل تلك التصدعات المنفذة لرؤية توماس فريدمان منذ ثلاثة عشر عاماً من الزمان.