صنائع المعروف تثمر الثواب الجزيل، والشكر الجميل، والمجد الأصيل، وأنواعها كثيرة، وقد يُكرم الله عبده بإقداره على هذه الأنواع بأن يجعله ذا مالٍ وجاهٍ ومعرفةٍ، وكل مُكلّف يقدر على نوع من أنواع المعروف، فأقلّها تبسُّمُكَ في وجه أخيك..

من القيم العظيمة والأخلاق النبيلة التي يحضُّ عليها ديننا الحنيف صنائع المعروف، وبذل الخير باختلاف أنواعه ومقاديره، وقد جاء الإسلام والعرب مُستمسكون باقتناء هذه المكرمة فأُقِرّوا على هذا، ولصنائع المعروف أشكال عديدة منها:

أولاً: إنفاق المال في وجوه البرّ، ويجب البدء بالواجب منه، فإن الله تعالى يقول فيما رواه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ)، ثم تليه التبرعات، وتزداد أهميتها بأهمية المصرف الذي صُرفت فيه، وخصوصية الظرف المحيط بذلك، فالتبرع لإنقاذ الروح من الهلكة أهمُّ من غيره، ونصوص الشرع متضافرة على الحثِّ على الإنفاق، والترغيب فيه، فمنها حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه المتفقِ عليه: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَلاَ يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ).

ثانياً: بذل الجاه في المعروف، وقد ورد الترغيب فيه في القرآن والسنة قال تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا)، قال ابن كثير رحمه الله: "أَيْ: مَنْ سَعَى فِي أَمْرٍ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ خَيْرٌ، كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ ذَلِكَ"، وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يأمر أصحابه أن يشفع عنده بعضهم لبعض، فعن أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا...)، متفق عليه، وفي رواية لأبي داود وغيره (اشْفَعُوا إِلَيَّ لِتُؤْجَرُوا)، وكان يقبل شفاعتهم، ولو كان جرم المشفوع له عظيماً ما لم يكن حدّاً من حدود الله تعالى، ومن ذلك أنه أمر يوم فتح مكة بقتل نفرٍ ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، ومنهم عبدالله بن سعد بن أبي سرح وكان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتدّ مشركاً، وصار إلى قريش، فشفع فيه عثمان رضي الله فقبل شفاعته، وكان يشفع لبعضهم عند بعض فعن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: «يَا كَعْبُ» قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا» وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ: أَيِ الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُمْ فَاقْضِهِ». متفقٌ عليه.

ثالثاً: البشاشة ولين الجانب، وكل منفعةٍ أوصلتها إلى أخيك في دينه ودنياه، ولو أن تدلّ من ضاع أثناء سيره على الطريق الصحيح، فعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ). أخرجه الترمذي وغيره، وصححه الألباني، وكثيرٌ من الناس لا يُلقي بالاً لهذا النوع من المعروف الذي لا يكاد أحدٌ معافىً في عقله وبدنه يعجز عن إيصال شيء منه إلى غيره، فمن ذا الذي يؤوده أن يبتسم في وجوه الناس ابتداءً بأسرته وزملائه، وانتهاءً بمن يُصادفه في المسجد أو في غيره.

رابعاً: إبعاد الشرور الحسية والمعنوية عن الناس ففي حديث أبي ذر السابق: (وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ)، ويدخل في إبعاد الشرِّ كفُّ الأذى الظاهر والباطن عن الناس، بألا يضرَّ غيره ببدنه، وألا ينطوي على حقدٍ لغيره.

خامساً: لا يقتصر بذل المعروف على البَشَرِ، فبذل المعروف لكل ذي كبدٍ رطبةٍ مُرغّبٌ فيه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا، فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ».

فصنائع المعروف تثمر الثواب الجزيل، والشكر الجميل، والمجد الأصيل، وأنواعها كثيرة، وقد يُكرمُ الله عبده بإقداره على هذه الأنواع بأن يجعله ذا مالٍ وجاهٍ ومعرفةٍ، وكُلُّ مُكلّفٍ يقدر على نوعٍ من أنواع المعروف، فأقلُّها تبسُّمُكَ في وجه أخيك.