هذا التزاوج الجميل بين خطط التنمية الشاملة للمملكة ورؤية 2030 نقلنا إلى آفاق متقدمة من العمل والانطلاق نحو المستقبل بخبرة الكبار وحيوية الشباب، فلم يعد المجال ممكناً للانتظار، فخلال سنوات ثلاث فقط شاهدنا النقلات الحضارية في كل شيء..

حينما تعود بنا الذاكرة إلى بدايات خطط التنمية الخمسية الشاملة في المملكة وبالتحديد العام 1390 نستذكر كيف بدأت خطة التنمية الخمسية الأولى بالتعاون مع معهد ستانفورد بقدرات محدودة لتحقيق التحولات الجذرية في المجالات العمرانية والصناعية والاجتماعية والتعليمية، ثم جاءت خطط التنمية الخمسية المتلاحقة لتضع في أولوياتها تنفيذ البنى التحتية المتمثلة في المطارات والموانئ والمستشفيات والمدن الجامعية والطرق السريعة، وصياغة أهداف استراتيجية لتطوير الأداء، وتحسين المخرجات في القطاعين الحكومي والخاص. واستمرت خطط التنمية الخمسية الشاملة حتى وصلنا الآن إلى الخطة الخمسية العاشرة والتي ستنتهي بنهاية هذا العام 1440. وجميع هذه التحولات التي أحدثتها خطط التنمية كانت مشهودة ومؤثرة ليس في المحيط المكاني فقط، وإنما تجاوزت ذلك إلى المحيط الاجتماعي والنفسي للمواطن السعودي.. وكنا نبتهج بهذه التحولات الجذرية في كل مناحي حياتنا اليومية تقريباً، ونسعد بالتغييرات التي أحدثتها لتحسين جودة الحياة للمواطن والمقيم على حد سواء في أرض الوطن.

واليوم وبعد مبايعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في ربيع الآخر من العام 1436 استمرت هذه الخطط الشاملة في تنفيذ برامجها وفقاً للأهداف الاستراتيجية التي حددتها، ولكن سار بشكل متوازٍ معها عهد جديد من القفزات المذهلة، ولتبدأ مرحلة تطويرية شاملة ومختلفة تنقل هذا الوطن الغالي إلى مراحل أكثر تقدماً في مختلف المجالات. فما تشهده المملكة في جميع مناطقها من مشروعات عملاقة وتطور شامل ما هو إلا جانب بسيط لمخرجات برامج وخطط طموحة أطلقها خادم الحرمين الشريفين - يحفظه الله - لتستمر سنوات العطاء، وليتحقق الازدهار والتطور. حيث رسمت المملكة خارطة طريق موازٍ لخطط التنمية للانطلاق ببلادنا نحو تنمية مستقبلية أكثر شمولاً وتكاملاً، واختطت لها مساراً نهضوياً طموحاً تمثل في "رؤية المملكة 2030" التي تسعى إلى استمرار التنمية الشاملة، والاستفادة بشكل أسرع من الثروات الطبيعية، والطاقات البشرية المتوفرة للوصول إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي حددتها الرؤية.

وهنا رأينا الانطلاقة الجديدة المتمثلة في رؤية المملكة 2030 وبرنامجها التنفيذي برنامج التحول الوطني.. فبعد أن اكتملت البنية التحتية لمدن المملكة بخطط التنمية العشر الشاملة، جاءت مرحلة أخرى من التطوير والتجديد لتنتقل معها المملكة إلى مرحلة جديدة يمثلها قائد محنك ذو خبرة طويلة هو خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - يحفظه الله -، ويسندها شاب متقد حماسة وحيوية ورغبة في خدمة دينه ووطنه هو الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، الذي أكد في أكثر من مناسبة على أن قصص النجاح دائماً ما تبدأ برؤية، وإن أنجح الرؤى ما يبنى على مكامن القوة، وأهمها الحرمان الشريفان، اللذان يمثلان العمق العربي والإسلامي وعامل النجاح الأول، بخلاف القدرات الاستثمارية الضخمة التي ستكون محركاً للاقتصاد ومورداً إضافياً بما يمثل عنصر النجاح الثاني. والموقع الجغرافي للمملكة، والذي يمثل عنصر النجاح الثالث. وجميع هذه العناصر تمثل مرتكزات رؤية المملكة التي يدعمها شعب طموح يتكون معظمُه من الشباب.

هذا التزاوج الجميل بين خطط التنمية الشاملة للمملكة ورؤية المملكة 2030 نقلنا إلى آفاق متقدمة من العمل والانطلاق نحو المستقبل بخبرة الكبار وحيوية الشباب، فلم يعد المجال ممكناً للانتظار فخلال سنوات ثلاث فقط شاهدنا النقلات الحضارية في كل شيء، ولعل أولها المشروعات الجبارة المتمثلة في مشروعات نيوم والقدية والبحر الأحمر وأيالا وغيرها من المشروعات الحيوية الكبرى، مشروعات الثبات والاستمرار، والاستفادة من البنية التحتية التي وفرتها خطط التنمية خلال السنوات الخمسين الماضية، واستمرار بناء الإنسان وتطوير وتنمية المكان.

هذه الرؤية الفريدة التي حققت قفزات متوالية في فترة زمنية قصيرة بدأت بالاهتمام بضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين والزوار لترتفع الطاقة الاستيعابية إلى (30) مليون معتمر في نهاية الرؤية بمشاركة 82 جهة حكومية وخاصة. وجاء تسهيل الحصول على طلب التأشيرات وسرعة إصدارها وتطوير الخدمات الإلكترونية كأول بوادر التغيير في هذا المجال.

ويأتي متوازياً ومتسقاً معها الحرص على تنويع الاقتصاد واستدامته من خلال تنمية الفرص للجميع، وتطوير الأدوات الاستثمارية، ورفع جودة الخدمات والتنمية الاقتصادية، وتحسين بيئة الأعمال، يسند ذلك رسم ملامح الحكومة الفاعلة بتعزيز الكفاءة والشفافية والمساءلة، وتشجيع ثقافة الأداء، وتحويل دور الحكومة من مقدم أو مزود للخدمة، إلى منظّم ومراقب للقطاعات، وليس أدعى من هذه التغييرات الحيوية استحواذ (أرامكو) على 70 % من حصة الحكومة في شركة سابك العملاقة لتصبح (أرامكو السعودية) بذلك عملاقاً صناعياً يعمل في أنحاء العالم. هذا خلاف توطين الصناعات العسكرية لإيجاد أنشطة صناعية وخدمات مساندة كالمعدّات الصناعية والاتصالات وتقنية المعلومات بما يسهم في توطين ما يزيد على (50 %) من الإنفاق العسكري وبناء منظومة متكاملة من المنتجات العسكرية.

ولاننسى القرار التاريخي بتمكين المرأة وزيادة إسهامها ومشاركتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكان قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة إحدى هذه المبادرات المهمة في تمكين المرأة.

ما تمثله رؤية المملكة من طموحات ومبادرات في المجالات المختلفة ينبئ أن هذا الوطن سينتقل وخلال سنوات قصيرة إلى مصاف الدول المتقدمة بعزم قيادته وطموح وحماسة أبنائه، فالمشروعات التي حددتها الرؤية والمنطلقات التي تبنتها لم تترك مجالاً من المجالات الحيوية سواء في مجال الطب الوقائي ورفع جودة الخدمات الصحية ورفع نسبة التأمين الصحي إلا وتناولتها سواء في الطرق أو مكافحة التصحر والتلوث البيئي أو استغلال الطاقة الشمسية أو تطوير المطارات والسكة الحديد وتطوير وسائل النقل حتى إن الرؤية لم تغفل الإشارة إلى ضرورة رفع عدد المواقع الأثرية المسجّلة في اليونسكو إلى الضعف على الأقل، وتأسيس متحف إسلامي متكامل يمكن المواطنين وضيوف الوطن من الوقوف على التاريخ الإسلامي العريق والاستمتاع بتجارب تفاعلية مع المواد التعريفية والأنشطة الثقافية المختلفة.

والاهتمام بتطوير التعليم والتدريب والعناية بمراحل التعليم المبكّر، ومواءمة مخرجات المنظومة التعليمية مع احتياجات سوق العمل، حيث تم إطلاق البوابة الوطنية للعمل، ويأتي الإسكان كأحد أهم المفاصل التي ركزت عليها الرؤية، فتم دعم وزارة الإسكان لتحقق هدفين رئيسين هما: دعم العرض وتمكين الطلب، وإن من أبرز الأهداف الاستراتيجية للوزارة تحفيز المعروض العقاري.