الخطر المرفوض لما يحدث في العالم العربي هو تحوّل تلك الأجزاء المهمة من العالم العربي إلى مناطق لنمو الصراعات الأيديولوجية وتنامي الشعبويات والقوميات والمذهبيات، فهذه هي النتيجة الوحيدة التي سوف تشكل خطراً فعلياً على المنطقة العربية..

لا يمكن تجاوز المرحلة التي مرت بها الدول العربية، والتي أطاحت بستة رؤساء عرب، وهم سبعة إذا أضفنا إليهم العراق مع اختلاف المنهجية، والحقيقة أنه مع الاختلاف في كيفية تحليل الأسباب والدوافع خلف ما حدث، إلا أن قراءة واقعية للأحداث لا بد من طرحها عبر تساؤلات دقيقة عن تلك المرحلة وما يمكن أن تنتجه الأحداث مستقبلاً، لا أعتقد أن أي باحث سياسي يختلف حول حقيقة مهمة تقول إنه بلا شك هناك فشل ذريع في بناء الدولة الجمهورية العربية، فالارتباك المنهجي بين المسمى والواقع للدولة الجمهورية العربية أدى إلى هذه النتائج التي أسهمت في زوال ستة من الرؤساء العرب خلال أقل من عقد من الزمان؟

لعل الأكثر وضوحاً أن التجربة الاحتجاجية الأخيرة سواء في السودان أو الجزائر قد تكون استفادت بشكل كبير من تجربة الحركات الاحتجاجية السابقة التي حدثت في سبع دول عربية وذهبت حتى الآن بستة رؤساء عرب، فالمؤسسات العسكرية سواء في الجزائر أو السودان تعلمت وبحذر أن المحافظة على بنية الدولة مهم جداً حتى وإن اضطرت تلك المؤسسات إلى إزاحة القيادات السياسية عن سدة الحكم، هذه التجربة التي مرت بها سبع دول عربية منذ العام 2010م ، تعكس أن المشكلات التي تختمر على مر الزمن يمكنها أن تؤدي في النهاية إلى طرق مغلقة أمام محاولة بناء مسارات سياسية مفتوحة يمكن المرور من خلالها.

المدرسة السياسية العربية خلال العقود الماضية يمكن الحكم عليها بأنها ليست مستقرة عدا الأنظمة الملكية والسطانية والمشيخة، وهناك سبب منهجي وتاريخي يدعم استقرار هذه الدول التي أبقت على التجربة السياسية القائمة على الحكم الشامل، فالشعوب العربية لا تتمايز من حيث الوعي السياسي فهي متقاربة إلى حد كبير، وما يفرق بينها هي التجارب الأيديولوجية والشعارات السياسية والشعبوية، ولكن ظلت التجارب الملكية بكل أشكالها هي التجارب الأكثر قدرة على التكيف مع التحولات الحداثية، فالمرونة التي تتميز بها الأنظمة الملكية والسلطانية والمشيخية تتكسر أمامها كل محاولات الإرباك الاجتماعي والسياسي. الهويات الوطنية في الأنظمة العربية غير الجمهورية تشكلت في بعدين مهمين، البعد القومي الوطني والبعد التاريخي السياسي، فالشعوب في هذه الدول تشكلت لتكون منتمية ومندمجة بشكل عميق مع تشكيلاتها السياسية سواء اجتماعياً أو اقتصادياً وحتى أيديولوجيا، وهذا مؤشر استقرار كبير يتطلب استخدام التاريخ وتأكيد المرونة أمام التحولات والحداثة.

من الواضح أن التجربة العربية السياسية التي مرت بالعالم العربي خلال الستة العقود الماضية وأتت بأنظمة مختلفة أثبتت حقيقة سياسية مهمة تقول: إن تلك التحولات التي غيرت المشهد السياسي في معظم الدول العربية تحت إطار النظرية الجمهورية لم تكن الاتجاه الدقيق الذي كان يمكن البناء عليه ومنه من أجل إنشاء جمهوريات عربية ذات أطر سياسية مستقرة، فلم تكن تلك الأنظمة مستقرة في الواقع وكانت دائماً ما تتعرض للاختلاف وقد دفعت المنظومة العربية بأكملها ثمن هذه التحولات غير المكتملة، والاختلافات العربية التي نشهدها نتيجة طبيعية لتحولات سياسية إما غير مكتملة أو غير ناضجة، والنتجية الحالية لتحولات العالم العربي كانت متوقعة سياسياً.

السؤال هنا يقول: هل ما يحدث في العالم العربي، مقلق أم يتجاوز إلى الخطر؟ هو مقلق لأن التجربة العربية حديثة عهد بالانعتاق من الإمبراطوريات سواء الدولة العثمانية أو ما قبلها منذ بدء الإسلام، فهي لم تكمل بعد قرناً من الزمان منذ أن أصبحت تحت مسار تحالفات دولية قسمت الجغرافيا وكتبت التاريخ وفق ما ترغب، وذلك حدث بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. على الجانب الآخر هناك استقرار تاريخي وعميق لجزء من الدول العربية التي اعتمدت أنظمة سياسية لها جذور في تاريخ تلك الشعوب، كما هي الحال في دول الخليج والملكيات العربية التي تميزت وسوف تستمر في استقرارها بل هي المرشحة الوحيدة لممارسة عملية نقل التجربة السياسية في تلك الدول إلى مراحل متقدمة كون هذه الدول تمتلك المقومات التاريخية التي تجعلها قادرة على إحداث التحول وممارسة المرونة بمشاركة فعلية مع شعوبها.

الخطر المرفوض لما يحدث في العالم العربي هو تحول تلك الأجزاء المهمة من العالم العربي إلى مناطق لنمو الصراعات الأيديولوجية وتنامي الشعبويات والقوميات والمذهبيات، فهذه هي النتيجة الوحيدة التي سوف تشكل خطراً فعلياً على المنطقة العربية التي أصبح استقرارها مهمة دولية تتطلب قراءة صحيحة للواقع السياسي والاقتصادي الذي تعيشه اليوم ثماني دول عربية أصبح استقرارها مهدداً ابتداء من العراق وانتهاء بالسودان.