تحضر عبارة: «لا توجد فيها صورة شعرية» باستمرار في آراء بعض المنتقدين للقصائد الجيّدة التي تحظى بقبول وإعجاب كبيرين من المتلقين، وأصبح من الشائع اليوم أن تسمع أو تقرأ نقداً يُقلّل فيه المنتقد من قيمة أبياتٍ رائعة أو قصيدة جيدة بدعوى خلوها من الصور الشعرية، وهذا الأمر دفع كثيراً من الشعراء لمحاولة كسب رضا أولئك المنتقدين بافتعال الصور الشعرية الباهتة، وتكلُّف حشد التشبيهات والاستعارات العقيمة في كل بيت من أبيات القصيدة، حتى لو نتج عن ذلك الافتعال والتكلف نص هزيل وعاجز عن نقل مشاعر الشاعر وأفكاره، وعاجز كل العجز عن إدهاش المتلقي أو ترك أثرٍ جيد في نفسه.

وقد تنبّه بعض النقاد لخطورة اتخاذ «الشعرية» أو التصوير في القصيدة غاية يسعى إليها الشاعر دائماً، ومن بين أولئك النقاد الدكتور عبدالله بن سليم الرشيد الذي طالب بكل وضوح بما سمّاه: «التخفيف من حدّة الشعرية»، وذكر أن الشعرية أو الصور الشعرية «قد تكون مصيدة يقع فيها الشاعر، فيكون همّه أن يلفت النظر بتركيب غريب مفتعل، أو صورة موغلة في البعد، فيضيع الشعر حينئذٍ في مغامرات شكلية لا حاصل من ورائها». وقد أورد الرشيد نماذج شعرية لشعراء كبار كأبي تمام والمتنبي وابن الرومي ليس فيها إيغال في الشعرية والخيال؛ ومع ذلك لم تخرج من إطار الشعر المؤثر، وأضاف في ختام حديثه: «إن استمرار السرَف في افتعال الشعرية عند الشعراء المعاصرين واستمرار التصفيق لها – دون النظر في العواقب - قد يوصلنا إلى إيمان مطلق بقول محمود درويش:

قصائدنا بلا لون

بلا طعم بلا صوتِ

إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيتٍ

وإن لم يفهم البسطا معانيها

فأولى أن نذرّيها

ونخلدَ نحن للصمتِ

خضوع الشاعر الموهوب لبعض الآراء أو الأحكام المغلوطة يؤدي به إلى طريق مسدود لا يمكّنه من الوصول إلى الإبداع ولا إلى المتلقي، كما أن مُبالغته في تطبيق بعض الأفكار الصحيحة يؤدي به إلى نفس الطريق أيضاً، وقد رأينا ذلك مع فئة من الشعراء الذين تحوّلت القصيدة بين أيديهم إلى وسيلة للاستعراض ومحاولة إثبات قوة الموهبة، وذلك بالتركيز على بعض عناصر نظم القصيدة كلزوم ما لا يلزم في القوافي، أو نظم المطولات التي تزيد أبيات الواحدة منها على مئات الأبيات، لكن هذا التركيز يقابله إهمال لعناصر أخرى من شأن التركيز عليها أن يزيد من قيمة القصيدة وجمالها وتأثيرها.

أخيراً يقول راشد النفيعي:

صبري طويل وغيبتك هدّت الحال

عطني فرح عمري بشوفتك مرّة

ليتك تمر العين، وتفارق البال

حسدت بالي من كثر ما تمرّه