لم يفطن المتوهمون لمغبّة المآلات الدراماتيكية التي زيّن لها وهمُ «الربيع العربي»؛ ذلك التوصيف البرّاق الذي أخذ بمجامع عقول البعض، وتصوّروا أنهم قاب قوسين أو أدنى من استقرار ورخاء ورفاه معيشي وأمني.

ولقد كانت الخيبة كبيرة بحجم تلك التوقّعات، عاشتها بعض الشعوب العربية التي زيّن لها البعض- وهماً- بأنّ الجنوح إلى الثورات وتغذيتها هما الطريق الأمثل والسالك إلى الحريّة، والعدالة الاجتماعية، والقضاء على الفساد ومنع استشرائه، والظلم والاستبداد.

نعم كانت نهايات مفجعة ومروعة حين ظنّ كثير ممّن غُرّر بهم، أن الفساد والظلم بالضرورة يرتبطان بالنخبة الحاكمة؛ ونتيجة لهذا الفهم والوعي المغلوطين ترسّح اعتقاد قاصر وسطحي أنّ الثورة والعنف الدموي والخروج على الحاكم ستفضي إلى حالة من الاستقرار والرخاء المعيشي والتنموي، وستقضي أيضاً على الفقر والجهل والتهميش الاجتماعي، وغيرها من الأحلام الطوباوية المبهجة والمنتظر تحقيقها، إلاّ أنّ تبعات مثل هذه المغامرات غير المحسوية والفاقدة لأي رؤية عقلانية متبصّرة أو حتى وعي سياسي؛ جميعها أثبت أنّ الانجراف والانسياق وراء ما زُعِم أنّه ربيع عربي لم يكن سوى أكذوبة كبرى، تم اصطناعها وإذكاء جمرتها في دول وبأذرعة وجهات لا تُضمِر لعالمنا العربي والإسلامي أي خير؛ فهي لم تنطلق من نزعة خيرية أو تشارك إنساني، وإنما أطماع وأحقاد وتحيّن ماكر وخبيث للفُرص وانتهازها بشكل لا أخلاقي، مستغلّين حالة الفوضى والارتباك التي تعيشها بعض دول الإقليم.

إنّ ما حدث - ويحدث - من فوضى عارمة وتحدّيات خطيرة يشهدها إقليمنا العربي لتنذر بمخاطر جمّة، تستدعي التكاتف والوقوف مع النفس وقفة تأمُّل ومصارحة واستثمار للأخطاء لا المكابرة؛ حتى لا تعيش دولنا «جحيم اللادولة»، جحيما يبعث رياح الانقسامات والتشرذم اللذين تغذّيهما الأطماع والأعداء وتربّصاتهم وبث الطائفية بهدف اقتلاع مداميك توحّدنا كمسلمين وعرب، شاء الجغرافيا والتاريخ والسياسة أن يكونا قطب العالم ورحاه.