الغريب أن من يزور الباحة وكثير من المناطق التي توصف بأنها «طاردة» يجدها تملك مخزوناً مذهلاً من التراث الثقافي والطبيعي، ولا يجد أي تأثير يذكر لهذا التراث الذي لو كان موجوداً في مكان آخر لتحول إلى مصدر دخل متجدد ومستمر..

دعيت منتصف الأسبوع الفائت إلى ورشة عمل في الباحة حول التنمية وتحدياتها وكان توجه الورشة حول المناطق الأقل تنمية أو التي تحظى بنصيب أقل من التنمية مثل منطقة الباحة. الأسئلة التي تم طرحها في الورشة تبين أن هناك "أزمة" تنمية في بعض المناطق في المملكة نتيجة لطبيعة المكون الاقتصادي التي تملكها هذه المناطق فتصبح أماكن طاردة بدلاً من أن تكون جاذبة. الغريب أن من يزور الباحة وكثير من المناطق التي توصف بأنها "طاردة" يجدها تملك مخزوناً مذهلاً من التراث الثقافي والطبيعي، ولا يجد أي تأثير يذكر لهذا التراث الذي لو كان موجوداً في مكان آخر لتحول إلى مصدر دخل متجدد ومستمر. طلب مني أن أتحدث عن "التراث والتنمية"، ولأني عملت في هيئة السياحة والتراث الوطني مشرفاً عاماً على مركز التراث العمراني لعدة سنوات، وتعلمت هناك أن التراث لا يؤخذ بالعاطفة بل هو مصدر دخل متجدد، أو على حد قول الأمير سلطان بن سلمان "التراث بئر نفط لا ينضب"، لذلك وجهت حديثي لمصادر القوة التي تملكها الباحة "التراث الثقافي والطبيعي" وكيف يمكن أن نبني صناعات متنوعة توظف هذه القوة.

كما ذكرت لكم المسألة ليست خيالاً أو أفكاراً "تنظيرية" بل هي توجهات تخلقها ضرورة "التنمية المتوازنة" والتحول من الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على الحكومة أو الوظيفة الحكومية إلى بناء اقتصادي "قطاعي" مبني على المصادر التي تميز الباحة عن غيرها. هذه المنطقة تخسر 35 ألفاً من قوتها العاملة سنوياً وعدد سكانها لا يتجاوز 460 ألف نسمة، وتركيبتها العمرانية الحضرية مشتتة ومجهدة في الحركة، وتعتمد على الأراضي التاريخية التي يملكها السكان، وتحتوي على آلاف القرى، وكل قرية لها تاريخ وحكايات تحمل الذاكرة الاجتماعية/الثقافية، وتحتوي على مخزون من التراث المبني والتراث المحكي والحرف، ولها مطبخها الخاص ولها محاصيلها الزراعية التي تختلف من الوادي إلى الجبل إلى أطراف البادية. هناك مصادر قوة كثيرة لم توظف بعد وربما البعض لا يريد أن يوظفها، ويريد أن تكون الباحة مثل باقي المناطق التي يقال عنها "كبيرة".

المشكلة الظاهرة في المناطق الأقل تنمية تتركز من وجهة نظري في المزاج العام لأبناء هذه المناطق الذين لا يريدون اكتشاف طاقات مناطقهم الكامنة، والبحث عن "التقليد" والتشبه بالمناطق التي يعتقدون أنها "كبيرة" و"متطورة"، وينسون ما يميزهم عن غيرهم. هذه الإشكالية من وجهة نظري نشأت من الاقتصاد الريعي الذي جعل كثيراً من الناس يعتقدون أن مصدر الدخل فقط يأتي من الحكومة، وأن المنطقة لا تتطور إلا إذا كانت هناك مشروعات حكومية.

لقد لاحظت مثلاً في الورشة أن الجميع يتوق إلى تأسيس "هيئة تطوير" للمنطقة أسوة ببعض المناطق، وأن الحل يكمن في إنشاء هيئات التطوير فقط. في اعتقادي أننا بحاجة إلى فكر تنموي مختلف يعزز فكرة "التميز المناطقي" الذي يخلق التنوع ويعزز من فكرة التكامل بدلاً من التقليد والتكرار الذي لن يخلق أي تميز بل سيزيد من أزمات المناطق التي توصف بأنها أقل تنمية في الوقت الحاضر لأنها يبعدها تدريجباً عن مكامن ومصادر القوة التي تملكها.

لا أستطيع أن أنكر أن الباحة خلابة ومبهرة في مكونها الطبيعي لكن عمارتها المعاصرة، وامتدادها الحضري المعاصر بدأ يطغى على هذا الجمال ويفقده رونقه. كما أنها منطقة يوجد فيها أمين متحمس ومفكر ولديه الاستعداد للعمل لتغيير الثقافة العمرانية والتنموية السائدة. التنمية في الباحة تحتاج أن نحافظ على هذا الكنز الطبيعي الجمالي وأن نعززه بصناعة سياحية وحرفية توظف هذا الكنز. الجميع يشتكي من البنية الفوقية والخدمات ويعتقدون أن المشكلة تكمن في نقص عناصرها، وأنا أوافقهم في الرأي لكن أي خدمة تقدم يجب أن تكون مجدية ولعلي أذكر هنا الدراسة التي قامت بها هيئة السياحة مع البنك الدولي، وأكدت أن كل ريال ننفقه على الاستثمار في التراث سيعود بثلاثة أضعافه. لا أريد أن أحدد مستقبل التنمية في منطقة مثل الباحة أو شبيهاتها في التراث والسياحة، أو حتى في الزراعة، ولكن فكرة خلق محطات متنوعة داخل منطقة تعتمد على اقتصاد الأسرة وتنطلق من الأسفل للأعلى تمثل أحد التوجهات المهمة التي تعزز من فرص التنمية المتوازنة في هذه المناطق.