الولايات المتحدة منذ زمن وهي تهدد وتتوعد منظمة الأقطار المصدرة للنفط. ولكن التهديد هذه المرة له خلفيات مغايرة. فالولايات المتحدة اليوم أصبحت مثلها مثل الأوبك مصدرة للطاقة. وبهذا المعنى التجاري أصبح الطرفان متنافسين. والمنافس، مثلما نعرف، جهة غير مرغوب فيها. أما من الناحية السياسية، فإن الأمور تختلف بعض الشيء. فالولايات المتحدة لا تزال صديقة للعديد من البلدان المنتجة للنفط. بل وحليفة استراتيجية لبعضها، مثلما هو الحال مع المملكة. ولهذا فإن العامل السياسي ربما يضغط بدوره على الإدارة الأميركية باتجاه عدم تطبيق تلك التهديدات. 

ورغم ذلك، فإنه من غير الممكن أن لا تؤخذ تلك التهديدات بعين الاعتبار. ففي حال تنفيذها، فإن ردة الفعل سوف تعتمد على الموقف الذي سيتخذه أعضاء الأوبك. ففي حال تماسك الأوبك، فإن أول ردة فعل للسوق سوف تكون ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد. وهذا أمر لا يرغب فيه أحد -وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية-. ولكن هذا سوف يعني من ناحية أخرى أن الأوبك قد أصبحت معارضة للنظام العالمي الذي تتزعمه واشنطن. وهذا ربما يؤدي إلى توتر العلاقات بين أطراف ومركز النظام العالمي. فإذا تسارعت الأمور في هذا الاتجاه، فإنه من غير المستغرب أن يتم فصل البترول عن الدولار. فالولايات المتحدة بتوتير علاقتها مع الأوبك تكون بمثابة ذلك الذي يقطع غصن الشجرة الذي يقف عليه، فالولايات المتحدة وفقًا لهذا السيناريو سوف تكون أكبر المتضررين. 

ولكن هناك سيناريو آخر؛ وهو أن يؤدي تنفيذ العقوبات على الأوبك إلى حالة من الارتباك والفوضى في صفوفها، بل وربما انهيارها. وفي هذه الحالة، فإن أسعار النفط سوف تنخفض وتصل لمستويات متدنية؛ لأن أعضاء الأوبك -أو من كانوا يسمون بأعضائها- سوف ينتجون على هواهم؛ مما سوف ينجم عنه إغراق السوق بالنفط. 

وربما أن مركز القرار العالمي يعول على هذه الفرضية، لفرض شروطه على منافسه في السوق. ولكن هذا سيناريو وإن كان يملك حظاً؛ فإن نصيبه أن يرى النور قليلاً جداً.

ولذلك فإنه لأمر مستغرب أن يغامر النظام العالمي بتنفيذ تهديداته للأوبك، طالما أن أرجح الاحتمالات تشير إلى أن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة سوف يتأثر بالسالب ويتضرر أشد الضرر، بل وربما يكلفها زعامتها للعالم. فالقرارات الدولية عادة لا تتخذ عندما تكون احتمالات التكلفة المترتبة عليها مرتفعةً جداً. 

من هنا، فإن أرجح الاحتمالات هو أن هذه التهديدات ربما قصد بها، مثلها مثل التهديدات السابقة، ابتزاز الأوبك، أو بعض أعضائها لجني أرباح سريعة، أكثر من كونها تهديدات حقيقية.