هل أنظمة التعليم الحالية قادرة على استكشاف المبدعين؟ هل أنظمة التوظيف الحالية تستطيع فعلاً تقدير المهارات لدى المتقدمين للوظائف؟ مقالة اليوم تتحدث عن الاستفادة من الإمكانات والخبرات كافة وعدم الاستهانة بأي فرد من أفراد الفريق دون التقيد بأنظمة التقييم التقليدية.. 

ننطلق إلى طوكيو، فعندما قررت شركة يابانية تطوير الروبوت الآلي "آيبو" على شكل كلب صغير في نهاية التسعينات، استقطبت الشركة مجموعة من أبرع المهندسين والمبرمجين الذين أبدعوا في مجالات الهندسة الميكانيكية والإلكتروكهربائية والبرمجة، واستطاعوا تطوير الروبوت بكل إتقان.. ولكن واجهت الفريق مشكلة كبيرة وهي أن الروبوت الذي تم تطويره لا تشعر أنه كلب آلي. لم يعرف أعضاء الفريق ما الحل الممكن؟ وفي يوم اقترحت موظفة صغيرة في الشركة مسؤولة عن تقديم القهوة والشاي أن يقوم الروبوت بحركات سهلة معينة قريبة من الحركات التي يقوم بها الكلب الذي تعتني به في بيتها. كانت تلك الكلمات طوق النجاة للمشروع وبدأ الفريق بالاستفادة من مقترحات وآراء تلك الموظفة التي لا ناقة لها ولا جمل في الهندسة والبرمجيات ولكنها امتلكت خبرات وحساً فنياً لم يكن للفريق غنى عنهما..

مازلنا في طوكيو، وقبل عدة سنوات وعندما كنت أعمل كملحق ثقافي، كان هنالك موظف لديه أعمال إدارية ولكن ليست بذلك الحجم الكبير. بدأ بعدها بالتنقل في الحديث بين المكاتب دون عمل حقيقي مما تسبب في تعطيل أعمال الموظفين الآخرين. ولما كان ذلك الموظف بارعاً في التواصل الاجتماعي والحديث قررت تكليفه بمهمة تمثلت في أن يتصل يومياً بعشرة طلاب يعانون من التعثر الدراسي بحيث يعمل على تحفيزهم والاستماع لمشكلاتهم بل مقابلتهم في بعض الأحيان ودعوتهم لتناول الطعام إذا استلزم الأمر. وكانت النتيجة ممتازة في سعادة الموظف بممارسة عمل يحبه، وللطلاب في أن يجدوا من يتواصل معهم ويسأل عنهم من أبناء بلدهم في بلد الغربة مما أسهم في تحسن أدائهم الأكاديمي وحل المشكلات النفسية والاجتماعية لدى بعضهم..

لعل ذلك يقودنا إلى أنظمة الاختبارات الدراسية والتي قد يتركز الكثير منها في قياس قدرة الطالب على حفظ المعلومات وتفريغها أكثر من مهارات أخرى كثيرة قد تكون ذات أهمية كبرى للطالب في مستقبل حياته كالتواصل والذكاء الاجتماعي والتفكير الإبداعي. الأمر شبيه باختبار مدى سرعة السلحفاة على البر والتي قد تكون بطيئة على اليابسة لكنها تسبح بسرعة تصل إلى 30 كيلومتراً في الساعة داخل الماء. ويكفيك أن اللاعب محمد صلاح الذي حقق جائزة أحسن لاعب في الدوري الإنجليزي العام الماضي تم عرضه للتعاقد معه لدى أحد الأندية العربية قبل عدة سنوات والتي رفضت التعاقد بحجة تدني مستواه..

وصدق من قال: "موس الحلاقة حاد ولكنه لا يقطع الشجر، الفأس قوية ولكنها لا تقص الشعر، لا تستخف بأحد فكل له مهمته ومجاله الذي يبدع فيه".