وأنت تطّلع على مواقع التواصل الاجتماعي وحتى الرسائل الشخصية بينك ومن أنت بصحبتهم على «الواتس أب» تلحظ جانبين كثيرا التكرار أحدهما ادعاء بعض الذكور الحزم والشدة تجاه الآخرين وكأنهم يريدون تأكيد أن لا عاطفة لديهم، وثانيهما كثرة الشكوى واستعراض أي مشكلة حتى لو كانت تافهة ولا تستحق.

بحثت عن أسباب هذا التوجه وكثرة ترديده، في ظل إدراكي أن في الأمر مبالغة مخلة؛ لأن مجتمعنا شبيه بغيره، فيه المنفتح عاطفياً والمنغلق.. السمح والصعب، الوفي واللئيم، وأحسب أنني وبعد تلاقح أفكار مع زملاء أحسبهم من أصحاب الرأي السديد أن السبب الرئيس يكمن في أن لدى البعض فكرة أن من مقومات الرجولة عدم إظهار العاطفة وبأي شكل من أشكالها سواء للزوجة أو الأسرة وحتى المجتمع، والنتيجة الأهم في الموضوع أن كثيرين من هذا البعض هم من أرباب الادعاء و»التشخيص» وفي الواقع هم عكس ذلك بعاطفتهم المبالغ فيها أحياناً تجاه أسرهم.. كل ما في الأمر أن ادعاء الشدة هو نوع من المباهات وإظهار الحزم الذي ينظر إليها كجزء مهم من الرجولة.

الجانب الآخر في الموضوع ويتداخل معه بقوة وهو ما نلاحظه على المواقع نفسها من كثرة الشكوى في ظل أن أي مشكلة يتعرض لها الشخص تجده مندفعاً بنشرها على مواقع التواصل وكأنها تأكله كمداً.. مثل الحالات الصحية البسيطة وتأثير شرب الماء أثناء الطعام، أو تضخيم مشكلة تافهة.. وما شابه ذلك.

نقول: إن هذا حال البعض وهو ما يبث مللاً وخمولاً وشعوراً بأن الحياة قد توقفت حين يتعرض لأي مشكلة، وكأن لا سبيل إلى السعادة والحبور إلا بمكتسبات وقتية.. وكأن لا.. أسرة تفيض بحنانها وحبورها علينا، وكأن لا حقن منشطة من المرح والتفاؤل قادرة أن تعيدنا إلى ما نطمح إليه.. وبالتالي النحيب وبما يوجد تيبساً عاطفياً لفظياً ينساب على مواقع التواصل وفي مرات حين أحاديث الموظفين في عملهم أو خلال تجمعات الاستراحات.

نكاد ننسى ضبط مشاعرنا تجاه كل ما يحيط بنا.. وعليه ما الذي يضير أن تكون هناك سبل توعية اجتماعية من خلال الرسائل الإلكترونية أو قنواتنا التلفزيونية أو عبر الإعلام المقروء توعّي الناس وترشدهم إلى كيفية التعامل مع الأزمات الكبيرة والصغيرة، وإيجاد السعادة بأبسط الطرق، وحسبي أن هذا جانب مهم يكاد يكون الأهم، في ظل أن لدينا وفرة كبيرة من الخبراء والمتخصصين الاجتماعيين والنفسيين القادرين على مساعدة الناس على الخروج من أزماتهم النفسية.

المجتمعات المتقدمة في أميركا وأوروبا نحت إلى مثل ذلك، ونجحت بشكل كبير، والأمثلة كبيرة ومشاهدة الآن، وهناك من القنوات العربية في لبنان والكويت والإمارات من قامت بتفعيل مثل هذه البرامج التي باتت ذات صدى كبير وأفادت مجتمعاتها بشكل لافت.